صوت السودان بين الألم والنسيان

كثير من السودانيين يشعرون اليوم بأن قضيتهم منسية وأن آلامهم لا تجد من يسمعها وأن العالم يمر على جراحهم مرور العابرين يشعرون أن أحدا لا يسأل عنهم ولا يتحدث عن معاناتهم ولا يرى ما حملوه من خوف وفقد وتشرد
وعند النظر بعمق إلى الواقع السوداني لا يمكن فهم الإنسان السوداني بمعزل عن تاريخ طويل من المعاناة الممتدة عبر سنوات من الاضطراب السياسي والحروب الداخلية والتغيرات العنيفة في الحكم فقد عاش السودان فترات طويلة تحت أنظمة سياسية قاسية أثقلت كاهل المواطن وأضعفت مؤسسات الدولة وقللت من قدرة الناس على الحياة الكريمة
كما أن البلاد مرت بمراحل من التهميش وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية في مناطق واسعة الأمر الذي جعل حياة كثير من السودانيين أقرب إلى الصراع اليومي من أجل البقاء من كونها حياة مستقرة طبيعية وفي بعض الفترات كان هناك ضعف واضح في التغطية الإعلامية لما يحدث داخل السودان مما ساهم في غياب الصورة الكاملة عن حجم المعاناة التي يعيشها الناس

ومن هنا نشأ شعور لدى الكثيرين بأن صوتهم غير مسموع وأن معاناتهم لا تصل إلى العالم بالشكل الكافي وكأنهم يعيشون في عزلة نسبية عن الاهتمام الدولي والإقليمي وهذا الإحساس المتراكم بالغياب والتجاهل يترك أثره العميق في النفس الإنسانية
لذلك فإن بعض السلوكيات التي قد تبدو للآخرين غير مفهومة أو مضطربة لا يمكن فصلها عن هذا السياق الطويل من الضغط والمعاناة فهي في أحيان كثيرة تعبير غير مباشر عن تراكم الألم وفقدان الاستقرار ومحاولة لإثبات الوجود في واقع لم يمنحهم مساحة كافية من الأمان
الإنسان السوداني اليوم لا يمكن اختزاله في تصرفات يومية عابرة بل هو نتاج تاريخ طويل من التحولات الصعبة والصمود أمام ظروف معقدة وإن اختلال الإحساس بالأمان قد يجعل ردود الأفعال أكثر حدة أو اضطرابا لكنها تبقى مرتبطة بجذور أعمق من مجرد السلوك الظاهر
ومن المهم هنا أن ندرك أن التعامل مع هذا الواقع يحتاج إلى فهم إنساني أوسع يفرق بين السلوك وبين أسبابه وبين الحكم على الفعل وبين فهم السياق الذي أنتجه فالمسألة ليست تبريرا بقدر ما هي محاولة للفهم
إن السودانيين كغيرهم من الشعوب المنكوبة لا يقلون أهمية أو إنسانية عن أي شعب آخر مر بظروف قاسية فالألم لا يقاس بالجغرافيا والمعاناة لا تصنف حسب الحدود
وفي النهاية يبقى المطلوب هو تحقيق التوازن احترام النظام والقانون من جهة وعدم تجاهل البعد الإنساني والنفسي من جهة أخرى حتى لا تتحول الأزمة إلى سوء فهم متبادل بدل أن تكون فرصة للتضامن والدعم
رشا عبد المنعم




