التصوير العشوائي داخل المستشفيات: بين حق التوثيق وانتهاك الخصوصية

فى زمن أصبحت فيه الكاميرا جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية ، لم تعد المستشفيات بمنأى عن ظاهرة التصوير العشوائى ، التى تحوّلت من سلوك فردى عابر إلى قضية مجتمعية تستدعي التوقف والتحليل.
فبين من يرفع هاتفه بدافع التوثيق أو كشف الإهمال ، ومن يلتقط مشاهد بدافع الفضول أو السعى وراء التفاعل على مواقع التواصل ، يبقى السؤال الأهم: أين تنتهى حرية التصوير ، وأين تبدأ حرمة الإنسان؟
المستشفى ليس مجرد مبنى لتقديم الخدمة الصحية ، بل هو مساحة إنسانية شديدة الحساسية ، يمر فيها المرضى بأضعف حالاتهم الجسدية والنفسية.
تصوير مريض دون إذنه ، أو نشر صور له فى لحظة ألم ، لا يُعد فقط تجاوزًا أخلاقيًا ، بل انتهاكًا صارخًا لخصوصيته وكرامته.
وقد تتفاقم الخطورة حين يتم تداول هذه الصور على نطاق واسع ، لتتحول معاناة فرد إلى مادة للاستهلاك الرقمى.
من ناحية أخرى،
لا يمكن إنكار أن بعض حالات التصوير داخل المستشفيات ساهمت فى كشف أخطاء طبية أو إهمال إدارى ، وهو ما يدفع البعض لتبرير هذا السلوك باعتباره أداة رقابية شعبية.
إلا أن هذا التبرير يظل إشكالياً ، إذ لا يجوز أن يتحقق الإصلاح على حساب انتهاك حقوق الآخرين.
فالقانون يتيح قنوات رسمية لتقديم الشكاوى ، ويكفل آليات للمساءلة دون الحاجة إلى تعريض المرضى أو الطواقم الطبية للتشهير.
الكوادر الطبية أيضًا ليست بمنأى عن هذه الظاهرة ، إذ قد يجد الطبيب أو الممرض نفسه مصوّرًا دون علمه أثناء أداء عمله ، ما يخلق حالة من التوتر ويؤثر على جودة الخدمة المقدمة.
فالبيئة العلاجية تحتاج إلى قدر من التركيز والهدوء ، لا إلى عدسات تترصد الأخطاء وتضخمها خارج سياقها.
ولعل الحل لا يكمن فقط فى سنّ القوانين أو تشديد العقوبات ، بل فى نشر الوعى المجتمعي بثقافة احترام الخصوصية ، خاصة فى الأماكن ذات الطابع الإنساني الحساس.
كما ينبغي على إدارات المستشفيات وضع ضوابط واضحة للتصوير داخل منشآتها ، مع توفير قنوات آمنة وفعالة لتلقى الشكاوى ومحاسبة المقصرين.
فى النهاية، تظل الكاميرا أداة ذات حدين: يمكن أن تكون وسيلة للإصلاح، كما يمكن أن تتحول إلى أداة لانتهاك الكرامة.
وبين هذا وذاك، يبقى الضمير الإنساني هو الحكم الأول، والقانون هو الحارس الأخير.




