تحرك برلماني عاجل ضد "غلاء الأسعار".. النائبة ريهام عبد النبي: سياسات الحكومة وضعت الأسرة المصرية في مأزق خانق بعد التاسعة مساءً تعرف علي رد كامل الوزير علي ضرب سفينة مصرية بباب المندب وعن استياء المصريين من عمل المونوريل نقابة المهن التمثيلية تزور محيي إسماعيل بدار كبار الفنانين دعمًا لمسيرته قداسة البابا لاون الرابع عشر يختتم زيارته إلى موناكو بقداس يدعو فيه إلى ثقافة الرحمة ورفض عبادة الأصنام وزير النقل يكشف السبب: لماذا ارتفعت أسعار تذاكر المترو والقطارات؟.. 6 أسباب حاسمة وديون بـ 20 مليار دولار صندوق النقد يحدد مواعيد مراجعات برنامج مصر وصرف 3.3 مليار دولار على دفعتين لجنة الدراما بالأعلى للإعلام تجتمع غدًا تمهيدًا لإصدار تقريرها النهائي حول الأعمال الدرامية خلال شهر رمضان عاجل | وفاء صبري رئيسًا لحزب الدستور.. قائمة "بداية جديدة" تحسم سباق الانتخابات بـ "اكتساح" ​عاطف المغاوري لـ مدبولي: "تحريك أسعار المحروقات" يثقل كاهل المواطن.. ونحتاج مراجعة لـ "الحزمة الاجتماعية"

بعد التاسعة مساءً

في لحظة يشعر فيها المواطن المصري أن كل يوم يحمل عبئًا جديدًا، جاءت قرارات غلق المحلات والمطاعم والكافيهات في التاسعة مساءً، بدءًا من 28 مارس، لتضيف طبقة جديدة من القلق إلى واقع اقتصادي لم يعد يحتمل مزيدًا من الضغوط. وبينما تُقدَّم هذه الإجراءات في إطار ترشيد استهلاك الكهرباء والتعامل مع ارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا، يبقى السؤال الأهم: هل المشكلة في القرارات نفسها، أم في قدرة المجتمع على تحمّل نتائجها؟

قد تبدو الخطوة مفهومة إذا نظرنا إليها من زاوية إدارة الموارد في وقت صعب، خاصة في ظل ما يشهده العالم من اضطرابات اقتصادية وتذبذب في أسواق الطاقة. لكن الصورة تختلف عندما ننظر إليها من زاوية المواطن البسيط، الذي يواجه يوميًا ارتفاعًا متتاليًا في الأسعار يشمل معظم احتياجاته الأساسية، من الغذاء إلى المواصلات إلى الوقود. وهو ما يجعل أي قرار جديد، حتى لو كان مبررًا، يُستقبل بقدر كبير من القلق، ليس فقط بسبب أثره المباشر، ولكن أيضًا بسبب تراكم تأثيرات سابقة لم تُعالج بالكامل.

الحكومة تتحدث عن ظروف استثنائية، وهذا توصيف يحمل قدرًا معتبرًا من الحقيقة. لكن التحدي في الحالة المصرية لا يتعلق فقط بوجود الأزمة، بل بمدى قدرة المجتمع على الاستمرار في تحمّل آثارها، خاصة في ظل تآكل القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من المواطنين، وعلى رأسهم محدودو الدخل والفئات الأشد احتياجًا، الذين لم يعد لديهم هامش إضافي لاستيعاب موجات جديدة من الضغوط.

ومن هنا، تبدو المسألة أعمق من مجرد قرار يتعلق بمواعيد الغلق أو بترشيد الاستهلاك، إذ تعكس في جوهرها إشكالية ممتدة تتعلق بطبيعة الاقتصاد نفسه، الذي أصبح أكثر عرضة للتأثر بالتقلبات الخارجية، في مقابل تراجع الوزن الفعلي للقطاعات الإنتاجية القادرة على توفير قدر من الاستقرار، مثل الصناعة والزراعة. ليس بمعنى غيابها، ولكن بمعنى أنها لم تصل بعد إلى المستوى الذي يجعلها قادرة على امتصاص الصدمات أو تقليل آثارها على الداخل.

وفي ظل هذا الوضع، تصبح القرارات الصعبة شبه حتمية. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في نمط التعامل معها، حيث تميل السياسات في كثير من الأحيان إلى الاعتماد على حلول سريعة تنعكس آثارها بشكل مباشر على المواطن، وهو ما قد يحقق قدرًا من التوازن على المدى القصير، لكنه يطرح تساؤلات جدية حول كلفته الاجتماعية على المدى الأطول، خاصة عندما يشعر المواطن أن العبء يتكرر عليه بالصورة نفسها مع كل أزمة جديدة.

ولا يختلف اثنان على أن أي دولة قد تضطر، في لحظات معينة، إلى اتخاذ قرارات غير شعبية. لكن الفارق الحقيقي يكمن في قدرة الاقتصاد على امتصاص أثر هذه القرارات، وفي وجود سياسات موازية تخفف من حدتها على الفئات الأكثر احتياجًا.

وبما أن الإجراء قد حُسم، فإن السؤال الأهم الآن هو: ما السياسات الموازية التي ستصاحب هذا القرار؟

هل هناك برامج دعم إضافية للفئات الأكثر تضررًا من هذه الإجراءات، مثل أصحاب المحلات الصغيرة والعمالة غير المنتظمة؟

هل هناك مرونة في التطبيق، خاصة للمنشآت التي تعتمد بشكل أساسي على الساعات المسائية، مع إمكانية منح استثناءات مدروسة؟

هل هناك خطة واضحة للتعويض عن الخسائر المتوقعة، ولو بشكل جزئي، بما يضمن عدم انهيار هذه المشروعات الصغيرة التي تمثل شريان حياة لملايين الأسر؟

والأهم: هل هناك تصور واضح للفترة الانتقالية وآلية معلنة لإنهاء هذه الإجراءات، بحيث لا تتحول من حل مؤقت إلى واقع دائم؟

هذه الأسئلة ليست من قبيل المطالب المستحيلة، بل تمثل الحد الأدنى المطلوب لضمان ألّا تتحول القرارات الصعبة إلى أعباء إضافية على من لا يملكون القدرة على تحمّل المزيد.

وفي هذا السياق، قد تمثل اللحظة الحالية فرصة لإعادة النظر في أولويات إدارة الاقتصاد، ليس فقط على مستوى الإجراءات اليومية، ولكن أيضًا على مستوى التوجهات العامة، بما يحقق توازنًا حقيقيًا بين متطلبات الاستقرار المالي واعتبارات العدالة الاجتماعية وقدرة المواطنين على التحمل. لأن نجاح أي سياسة اقتصادية لا يُقاس فقط بقدرتها على ضبط المؤشرات، بل بمدى انعكاسها على حياة الناس واستقرارهم.

المواطن المصري أثبت عبر سنوات طويلة قدرة كبيرة على التحمل والتكيف مع ظروف صعبة. لكن التحمل ليس فضيلة في حد ذاته، بل وسيلة لعبور مرحلة. وهذه المرحلة تحتاج إلى رؤية واضحة، يشعر فيها المواطن أن ما يتحمله اليوم له نهاية مفهومة، وليس مجرد استجابة متكررة لضغوط لا تنتهي.

نجاح الحكومة في هذه اللحظة لن يُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأزمة، بل بقدرتها أيضًا على إقناع الناس بأن ما يتحملونه اليوم يقود فعلًا إلى تحسن واضح غدًا، وأن السياسات الاقتصادية لا تستهدفهم فقط كمتلقين للقرارات، بل كشركاء في مسار وطني يحتاج إلى تماسك الجميع.

وفي النهاية، يبقى التحدي الحقيقي هو الوصول إلى توازن عادل بين ضرورات الواقع وحدود احتمال المجتمع؛ وهو توازن ليس سهلًا، لكنه يظل الشرط الأساسي لعبور أي مرحلة صعبة بأقل كلفة ممكنة على المواطنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!