ندوة بدار الخدمات حول العمال والعاصفة المناخية.. دعوات لعدالة غائبة في استراتيجية 2050

عقدت دار الخدمات النقابية والعمالية، الثلاثاء، ندوة تحت عنوان “العمال والعدالة المناخية في إطار الاستراتيجية الوطنية للمناخ 2050″، وذلك بمشاركة واسعة من خبراء البيئة والحقوقيين والنقابيين وممثلي المجتمع المدني، في فعالية عكست تصاعد الاهتمام بالربط بين قضايا العمل والتغيرات المناخية في ظل التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر وما تفرضه من تحديات معقدة على الفئات العمالية، خاصة في دول الجنوب العالمي.
وركزت المناقشات على أهمية دمج البعد الاجتماعي في الاستراتيجيات البيئية، وعدم التعامل مع ملف التغير المناخي باعتباره قضية تقنية أو بيئية فقط، بل باعتباره قضية حقوقية وتنموية ترتبط بشكل مباشر بحياة الملايين من العمال، خاصة أولئك العاملين في القطاعات الأكثر هشاشة مثل الزراعة والصيد والعمل غير المنتظم، وهي الفئات التي تُعد الأكثر عرضة لتداعيات التغيرات المناخية من حيث فقدان مصادر الدخل أو تدهور ظروف العمل.
وفي مستهل الندوة، أشار كمال عباس، المنسق العام للدار، إلى أهمية التقارير الدولية في تسليط الضوء على أوضاع العمال، مستشهدًا بتقرير صادر عن منظمة العمل الدولية، والذي تناول قضايا شائكة مثل العمل الجبري وعمالة الأطفال والقيود المفروضة على حرية التنظيم النقابي، مؤكدًا أن هذه القضايا لا يمكن فصلها عن النقاش الدائر حول العدالة المناخية، خاصة وأن الفئات الأكثر تعرضًا للانتهاكات هي نفسها الأكثر تأثرًا بالأزمات البيئية.. موضحًا في الوقت ذاته أن التقرير الذي تم تداوله مؤخرًا يعكس واقعًا معقدًا يتطلب تدخلًا عاجلًا من الدولة والمجتمع المدني على حد سواء.
كما لفت عباس إلى أن برنامج المناخ الذي تتبناه الدار أصبح يمثل أحد أهم مسارات الاشتباك مع الحركة العمالية، حيث ساهم في خلق حالة من الزخم والنقاش حول قضايا لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي سابقًا، مؤكدًا أن العمال اليوم لا يناضلون فقط من أجل تحسين أجورهم أو ظروف عملهم، بل من أجل البقاء في ظل التغيرات البيئية المتسارعة التي تهدد مصادر رزقهم بشكل مباشر.
وأشار إلى أن الاستراتيجية الوطنية للمناخ 2050، رغم أهميتها على المستوى الدولي، لا تزال بعيدة عن التفاعل الحقيقي مع المواطنين، خاصة العمال، الذين لم يتم إشراكهم بشكل كافٍ في صياغتها أو مناقشة أولوياتها، وهو ما يستدعي إعادة النظر في آليات المشاركة المجتمعية.
من جانبه، قدم أحمد الصعيدي، المحامي البيئي ورئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، مداخلة مطولة تناول فيها الأبعاد القانونية والحقوقية للاستراتيجية الوطنية للمناخ، موضحًا أن هذه الاستراتيجية، رغم كونها تعكس رؤية عامة للدولة، تفتقر إلى الطابع الإلزامي، ما يحد من فعاليتها في إحداث تغيير حقيقي على أرض الواقع، خاصة في ظل غياب آليات واضحة للمحاسبة أو التنفيذ.
وأبدى تحفظه على إلغاء استراتيجيات سابقة كانت تتضمن اشتراطات بيئية أكثر وضوحًا، مثل الاستراتيجية الخاصة بحماية المناطق الساحلية، التي كانت تلزم المستثمرين بمراعاة مخاطر ارتفاع منسوب المياه وزيادة الملوحة.
وأكد الصعيدي أن مفهوم العدالة المناخية، الذي بدأ في الظهور منذ تسعينيات القرن الماضي مع تصاعد ظاهرة الاحتباس الحراري، يمثل إطارًا ضروريًا لربط حقوق الإنسان بالسياسات البيئية، مشيرًا إلى أن الأمم المتحدة وخصوصًا من خلال اتفاقيات مثل اتفاقية باريس للمناخ، وضعت هذا المفهوم في صلب الجهود الدولية لمواجهة التغير المناخي، حيث نصت على ضرورة مراعاة حقوق الإنسان في جميع السياسات المناخية.
وتطرق إلى المخاطر المتزايدة التي تواجهها مصر نتيجة التغيرات المناخية، مثل ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط، وزيادة معدلات الأمراض الصدرية، واحتمالات انتشار أمراض مثل حمى الضنك في بعض مناطق الجنوب، مؤكدًا أن هذه التحديات سيكون لها تأثير مباشر على العمال، سواء من حيث صحتهم أو قدرتهم على العمل، ما يتطلب تدخلًا عاجلًا لتبني سياسات تكيف فعالة، مدعومة برقابة حكومية ومشاركة مجتمعية حقيقية.
كما شدد على ضرورة إعادة النظر في الأطر التشريعية الحالية، مشيرًا إلى أن العديد من القوانين المنظمة للبيئة والزراعة والموارد الطبيعية أصبحت غير مواكبة للتطورات، مثل قانون البيئة الصادر عام 1994، وقوانين الزراعة ونهر النيل والمحميات الطبيعية، والتي تحتاج إلى تحديث شامل يضمن إدماج مفاهيم العدالة المناخية وحقوق العمال.
وفي السياق ذاته، أكدت وفاء عشري، مديرة برنامج المناخ بالدار، أن الاستراتيجية الوطنية تركز بشكل كبير على الجوانب التقنية والبنية التحتية، مثل الطاقة والهيدروجين الأخضر، دون أن تضع العدالة الاجتماعية في قلب هذه السياسات، مشيرة إلى غياب واضح للحديث عن أوضاع العمال في القطاعات التقليدية، أو عن معايير العمل اللائق، أو حتى عن خطط تدريب وتأهيل العمال للانتقال إلى وظائف جديدة في الاقتصاد الأخضر.
وأوضحت أن الفئات الأكثر تضررًا، مثل الفلاحين والصيادين والعمالة غير المنتظمة، لا تحظى بالدعم الكافي ضمن هذه الاستراتيجية، رغم أنها تتحمل العبء الأكبر من آثار التغيرات المناخية، وهو ما يعكس فجوة حقيقية بين السياسات المعلنة والواقع الفعلي.
وشهدت الندوة مداخلات متعددة من المشاركين الذين أجمعوا على أن غياب أصحاب المصلحة الحقيقيين، وعلى رأسهم العمال، من عملية صنع القرار يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه تحقيق العدالة المناخية، مؤكدين أن أي تحول نحو الاقتصاد الأخضر يجب أن يراعي بشكل أساسي أوضاع العمال، من خلال توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتوفير بيئات عمل آمنة، والاستثمار في التدريب والتأهيل.
كما تناولت المناقشات التأثيرات المباشرة للتغيرات المناخية على بعض القطاعات الحيوية، مثل الصيد، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى انخفاض نسبة الأكسجين في المياه وزيادة ملوحتها، ما يؤثر على الإنتاج السمكي ويرفع من معدلات النفوق، وبالتالي ينعكس على أسعار الأسماك ومستوى معيشة الصيادين.. حيث تم طرح مثال بحيرة المنزلة كنموذج للتحديات البيئية المعقدة، في ظل تداخل مشكلات التلوث والصرف الصحي مع مشروعات التنمية.
وأشار المشاركون إلى ضرورة تبني رؤية عمالية شاملة للسياسات المناخية، تتضمن إعداد خرائط واضحة لبيئات العمل المكشوفة في مصر، مثل المناجم والمحاجر والزراعة، والعمل على إشراك العمال في تقييم الأثر البيئي للمشروعات، باعتبارهم الأكثر تعرضًا للمخاطر المباشرة.
وشدد المشاركون على أهمية دور النقابات العمالية والتعاونيات في مواجهة التغيرات المناخية، مستشهدين بتجارب دول أمريكا اللاتينية، حيث يقود العمال حركات الاحتجاج والمطالبة بالعدالة المناخية، وهو ما يتطلب في الحالة المصرية تعديل القوانين لإتاحة مساحة أكبر لهذه الكيانات للقيام بدورها.
وتطرقت النقاشات أيضًا إلى التناقضات العالمية، حيث تتحمل دول الجنوب عبء التحول إلى الاقتصاد الأخضر، في الوقت الذي تستمر فيه الدول الكبرى في التنافس على مصادر الوقود الأحفوري، بل وتخوض حروبًا من أجل ذلك، وهو ما يطرح تساؤلات حول عدالة النظام الدولي في التعامل مع قضايا المناخ.
وفي ختام الندوة، أوصى المشاركون بضرورة إطلاق حملة توعوية شاملة حول قضايا البيئة وتأثيراتها، وتشكيل لجنة من الخبراء بمشاركة ممثلين عن العمال لدراسة الاستراتيجية الوطنية للمناخ بشكل تفصيلي، والخروج بتوصيات واضحة تضمن تحقيق انتقال عادل يراعي حقوق جميع الفئات، مع التأكيد على أن نجاح أي استراتيجية مناخية يظل مرهونًا بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية، وفي القلب منها حقوق العمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!