فقدان البوصلة

لم يعد المواطن المصري يعيش فقط تحت ضغط الأزمات، بل تحت ضغط محاولة فهمها أيضًا. فهو لا يحتاج إلى من يخبره أن الحياة أصبحت أكثر صعوبة، لأنه يرى ذلك بنفسه كل يوم؛ في الأسعار، وفي العلاج، وفي التعليم، وفي حجم القلق الذي يسيطر على الناس، وفي الإحساس العام بأن الضغوط أصبحت جزءًا ثابتًا من الحياة اليومية.
المواطن يشعر بما يحدث جيدًا، وربما أكثر من أي تقارير أو تحليلات، لأنه يعيش نتائجه بشكل مباشر. لكنه، وسط هذا الكم الهائل من الروايات المتناقضة، لم يعد يعرف كيف يقرأ ما يعيشه أصلًا.
فهو يسمع يوميًا من يقول إن الدولة تحقق إنجازات غير مسبوقة، ومن يؤكد أن المجتمع يزداد إنهاكًا. يسمع من يرى أن ما يحدث ضرورة لا بديل عنها، ومن يراه نتيجة غياب الأولويات أو سوء الإدارة. يسمع أن مصر دولة لا تملك رفاهية الاختيارات، ثم يسمع في الوقت نفسه أنها تملك إمكانيات وموارد ضخمة. وبين كل هذه الروايات، لا تبدو المشكلة فقط في الاختلاف السياسي الطبيعي، بل في غياب القدرة على الوصول إلى فهم واضح يربط بين ما يعيشه المواطن فعلًا وما يُقال له يوميًا.
وهنا تبدأ حالة أكثر خطورة من مجرد الاختلاف في الرأي. لأن الإنسان قد يتحمل الضغوط لفترة طويلة إذا فهم معناها واتجاهها وهدفها، لكنه يبدأ في فقدان توازنه حين يعيش واقعًا قاسيًا دون أن يملك تفسيرًا واضحًا له، أو حين تصبح كل محاولة للفهم محاصرة بروايات متناقضة بالكامل.
المشكلة إذًا ليست أن المواطن عاجز عن رؤية الحقيقة، بل أنه يعيش جزءًا منها كل يوم، لكنه لم يعد يعرف كيف يفسرها. أسئلة لا يجد لها إجابات واضحة: هل ما يحدث أزمة مؤقتة؟ أم نتيجة مسار طويل من الاختيارات الخاطئة؟ هل ما يتحمله الناس اليوم ثمن ضروري لبناء شيء أفضل؟ أم أن المجتمع يتحرك داخل دائرة مغلقة من الضغوط دون مراجعة حقيقية؟ أم أن الحقيقة تقع في منطقة أكثر تعقيدًا بين كل ذلك؟
ومع الوقت، لا يؤدي هذا الارتباك إلى زيادة المشاركة أو البحث عن حلول، بل غالبًا إلى العكس تمامًا. فالمواطن الذي يشعر بالأزمة يوميًا، لكنه لا يملك صورة واضحة تساعده على فهمها، يتحول تدريجيًا إلى إنسان مرهق يركز فقط على النجاة بيومه، بدلًا من محاولة فهم المشهد بالكامل أو الانخراط فيه.
ولهذا لم يعد غريبًا أن ينسحب كثير من الناس من النقاش العام، ليس لأنهم بلا رأي أو وعي، بل لأنهم فقدوا الثقة في إمكانية الوصول إلى صورة متماسكة وسط هذا الكم من الضجيج والاستقطاب والتناقضات. حتى أصبح كثير من الناس يعيشون حالة دائمة من الحيرة؛ يعرفون ما يشعرون به جيدًا، لكنهم لا يعرفون كيف يضعونه داخل تفسير واضح ومقنع.
وهنا تتحول الأزمة من مجرد ضغوط اقتصادية أو خلافات سياسية إلى أزمة أعمق بكثير: أزمة معنى واتجاه وثقة. لأن أي مجتمع يحتاج إلى حد أدنى من الوضوح المشترك حول طبيعة ما يمر به، وحول الطريق الذي يسير فيه، وحول العلاقة بين ما يتحمله الناس اليوم وما يُفترض أن يصلوا إليه غدًا.
أما حين تختلط الروايات إلى هذا الحد، وتتراجع المساحات القادرة على إنتاج نقاش حقيقي يساعد الناس على الفهم والمراجعة، يفقد المجتمع تدريجيًا قدرته على رؤية الصورة كاملة، حتى لو كان يشعر بكل تفاصيلها اليومية.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة ليس فقط اختلاف الناس حول القرارات والسياسات، بل أن يعيش المواطن داخل واقع يلمسه بوضوح كل يوم، لكنه لا يملك في الوقت نفسه بوصلة واضحة تساعده على فهم إلى أين يقوده هذا الواقع، أو أي تفسير يمكن الوثوق به فعلًا.
لأن المجتمعات قد تتحمل الكثير من الضغوط، لكنها تحتاج دائمًا إلى قدر من الوضوح والثقة والنقاش الحقيقي الذي يساعد الناس على فهم الطريق الذي يسيرون فيه، والشعور أنهم ليسوا مجرد متلقين لنتائجه… بل جزء من صناعته أيضًا.




