أَزْمَةُ الثَّرْوَةِ الحَيَوَانِيَّةِ فِي مِصْرَ: هَلْ نَقْتَرِبُ مِنْ زَمَنِ الِانْقِرَاضِ؟.

يَلِجُ الْمُوَاطِنُ إِلَى السُّوقِ قُبَيْلَ عِيدِ الْأَضْحَى الْمُبَارَكِ، فَلَا يَشْعُرُ أَنَّهُ يَطَأُ سُوقًا لِلْمَوَاشِي، بَلْ يَخُوضُ اخْتِبَارًا قَاسِيًا فِي الْقُدْرَةِ عَلَى تَحَمُّلِ الصَّدَمَاتِ النَّفْسِيَّةِ الْمُرَوِّعَةِ! أَرْقَامٌ فَلَكِيَّةٌ لَوْ سَمِعَهَا أَجْدَادُنَا لَظَنُّوا أَنَّنَا نَتَفَاوَضُ عَلَى شِرَاءِ مُحَرِّكَاتِ طَائِرَاتٍ، أَوْ قِطَعِ غِيَارٍ لِمَرْكَبَاتٍ فَضَائِيَّةٍ، لَا عَنْ خَرُوفٍ كَانَ يَوْمًا مَا مَلَاذَ الْفُقَرَاءِ وَأُنْسَ مَوَائِدِهِمْ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ.

لَكِنَّ المَأْسَاةَ الحَقِيقِيَّةَ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ غَلَاءٍ طَبِيعِيٍّ فِي الأَسْعَارِ؛ فَالغَلَاءُ قَدْ تُبَرِّرُهُ الأَزَمَاتُ، وَتُفَسِّرُهُ النُّدْرَةُ، وَتَقَلُّبَاتُ الأَسْوَاقِ، أَمَّا مَا لَا يَقْبَلُهُ عَقْلٌ، وَلَا يَشْرَحُهُ اقْتِصَادٌ، وَلَا تَعْتَرِفُ بِهِ قَوَانِينُ الطَّبِيعَةِ نَفْسُهَا، فَهُوَ ذَلِكَ المُسْتَوَى المَخِيفُ مِنَ الجَشَعِ وَالخُبْثِ التِّجَارِيِّ؛ حَيْثُ تَقِفُ الثَّرْوَةُ الحَيَوَانِيَّةُ فِي مِصْرَ اليَوْمَ أَمَامَ مُنْعَطَفٍ تَارِيخِيٍّ خَطِيرٍ، يَمَسُّ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ أَمْنَهَا الغِذَائِيَّ، وَيُهَدِّدُ قُوتَ المَلَايِينِ مِنَ البُسَطَاءِ.

فَالْأَرْقَامُ الْإِحْصَائِيَّةُ تَكْشِفُ عَنْ تَرَاجُعٍ حَادٍّ وَمُخِيفٍ؛ فَفِي عَامِ (2014)، كَانَ إِجْمَالِيُّ رُؤُوسِ الْمَاشِيَةِ (مِنْ أَبْقَارٍ، وَجَامُوسٍ، وَجِمَالٍ، وَأَغْنَامٍ) يَقْتَرِبُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَلْيُونَ رَأْسٍ.

لَكِنَّ هَذَا الرَّقَمَ هَبَطَ بِحُلُولِ عَامِ (2025) إِلَى نَحْوِ ثَمَانِيَةِ مَلَايِينَ رَأْسٍ فَقَطْ، أَيْ مَا يَعْدِلُ نِصْفَ القَطِيعِ تَقْرِيبًا.

وَلَعَلَّ المَحَطَّةَ الأَكْثَرَ غُمُوضًا وَأَثَرًا كَانَتْ فِي عَامِ (2019)، حِينَمَا سَجَّلَتِ الإِحْصَاءَاتُ تَرَاجُعًا مُفَاجِئًا زَادَ عَنْ ثَمَانِيَةِ مَلَايِينَ رَأْسٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً.

وَهُوَ هُبُوطٌ حَادٌّ لَا يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِالِاسْتِهْلَاكِ الطَّبِيعِيِّ، بَلْ يَعُودُ فِي جُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْهُ إِلَى إِعَادَةِ تَدْقِيقِ الحَصْرِ الفِعْلِيِّ عَلَى أَرْضِ الوَاقِعِ، بِالنَّظَرِ إِلَى خُرُوجِ مَسَاحَاتٍ شَاسِعَةٍ مِنَ الإِنْتَاجِ غَيْرِ الرَّسْمِيِّ.

هَذَا التَّنَاقُصُ غَيَّرَ المُعَادَلَةَ الِاسْتِهْلَاكِيَّةَ لِلْمُوَاطِنِ المِصْرِيِّ؛ فَبَعْدَمَا كَانَ النَّصِيبُ الِافْتِرَاضِيُّ فِي عَامِ 2014 هُوَ رَأْسٌ وَاحِدٌ لِكُلِّ سِتَّةِ مُوَاطِنِينَ، يَتَقَاسَمُونَ لُحُومَهَا وَأَطْبَاقَهَا التَّقْلِيدِيَّةَ، أَصْبَحَ اليَوْمَ كُلُّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مُوَاطِنًا يَتَشَارَكُونَ الرَّأْسَ الوَاحِدَةَ، مَعَ دُخُولِ لَاجِئِينَ وَضُيُوفٍ جُدُدٍ ضِمْنَ دَائِرَةِ الِاسْتِهْلَاكِ نَفْسِهَا.

وَلَكِنْ يَبْقَى السُّؤَالُ: لِمَاذَا تَتَرَاجَعُ أَعْدَادُ المَاشِيَةِ؟

إِنَّ هَذَا التَّدَهْوُرَ لَيْسَ صُدْفَةً، بَلْ هُوَ نَتِيجَةٌ لِجُمْلَةٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالهَيْكَلِيَّةِ الْمُتَدَاخِلَةِ.

• اشْتِعَالُ أَسْعَارِ الْأَعْلَافِ: يُعَدُّ هَذَا الْعَامِلُ الْمُحَرِّكَ الرَّئِيسَ لِلْأَزْمَةِ؛ حَيْثُ تَعْتَمِدُ مِصْرُ عَلَى اسْتِيرَادِ الذُّرَةِ الصَّفْرَاءِ وَفُولِ الصُّويَا. وَمَعَ تَقَلُّبَاتِ سِعْرِ الصَّرْفِ وَشُحِّ الدُّولَارِ، قَفَزَتْ تَكْلِفَةُ التَّغْذِيَةِ إِلَى أَرْقَامٍ فَلَكِيَّةٍ، لَمْ يَعُدْ بِمَقْدُورِ الْمُرَبِّي تَحَمُّلُهَا.

• خُرُوجُ صِغَارِ الْمُرَبِّينَ: يُمَثِّلُ صِغَارُ الْفَلَّاحِينَ عَصَبَ هَذَا الْقِطَاعِ. وَمَعَ تَحَوُّلِ التَّرْبِيَةِ مِنْ نَشَاطٍ مُرْبِحٍ إِلَى تِجَارَةٍ خَاسِرَةٍ، اضْطُرَّ الْمَلَايِينُ مِنْهُمْ إِلَى بَيْعِ مَا لَدَيْهِمْ وَالتَّوَقُّفِ عَنِ الْإِنْتَاجِ.

• ظَاهِرَةُ الذَّبْحِ المُبَكِّرِ لِلإِنَاثِ: بِسَبَبِ الضُّغُوطِ المَالِيَّةِ، لَجَأَ بَعْضُ المُرَبِّينَ إِلَى ذَبْحِ الإِنَاثِ المُنْتِجَةِ لِتَحْقِيقِ سُيُولَةٍ نَقْدِيَّةٍ سَرِيعَةٍ، مِمَّا حَرَمَ القَطِيعَ المَحَلِّيَّ مِنْ فُرَصِ التَّكَاثُرِ وَتَجْدِيدِ الأَجْيَالِ.

• الأَمْرَاضُ الوَبَائِيَّةُ وَضَعْفُ الرِّعَايَةِ: هَجَمَاتٌ مُتَتَالِيَةٌ مِنْ أَمْرَاضٍ مِثْلِ “الحُمَّى القُلَاعِيَّةِ” وَ”الجِلْدِ العُقَدِيِّ”، فِي ظِلِّ نَقْصِ بَعْضِ التَّحْصِينَاتِ المَيْدَانِيَّةِ فِي المَنَاطِقِ النَّائِيَةِ، تَسَبَّبَتْ فِي نُفُوقِ أَعْدَادٍ لَيْسَتْ بِالقَلِيلَةِ.

• ارْتِفَاعُ تَكَالِيفِ التَّشْغِيلِ العَامَّةِ: شَمِلَتِ الزِّيَادَةُ أَسْعَارَ الْأَدْوِيَةِ الْبَيْطَرِيَّةِ، وَالطَّاقَةِ، وَالنَّقْلِ، وَالْأَيْدِي الْعَامِلَةِ، مِمَّا رَفَعَ نُقْطَةَ التَّعَادُلِ الْمَالِيِّ لِأَيِّ مَشْرُوعٍ.

• غِيَابُ المَرَاعِي الطَّبِيعِيَّةِ: طَبِيعَةُ مِصْرَ الجُغْرَافِيَّةُ تَفْتَقِرُ إِلَى المَرَاعِي المَفْتُوحَةِ، مِمَّا يَجْعَلُ الإِنْتَاجَ مَرْهُونًا بِالزِّرَاعَةِ الكَثِيفَةِ أَوِ الأَعْلَافِ المُصَنَّعَةِ، وَهِيَ مَعَ نَقْصِ المِيَاهِ تُصْبِحُ أَكْثَرَ كُلْفَةً.

• مُنَافَسَةُ اللُّحُومِ الْمُسْتَوْرَدَةِ: دُخُولُ اللُّحُومِ الْمُجَمَّدَةِ وَالْمُبَرَّدَةِ رَخِيصَةِ الثَّمَنِ جَعَلَ الْمُنَافَسَةَ غَيْرَ عَادِلَةٍ لِلْمُنْتِجِ الْمَحَلِّيِّ، الَّذِي لَا يَجِدُ سِعْرًا عَادِلًا يُغَطِّي تَكَالِيفَهُ عِنْدَ الْبَيْعِ.

أَثَرُ التَّضَخُّمِ وَمُسْتَقْبَلُ السُّوقِ

أَدَّى التَّضَخُّمُ وَتَرَاجُعُ القُوَّةِ الشِّرَائِيَّةِ لِلْمُسْتَهْلِكِ إِلَى رُكُودٍ نِسْبِيٍّ فِي الطَّلَبِ، لَكِنَّ هَذَا الرُّكُودَ لَمْ يَخْفِضِ الأَسْعَارَ بِسَبَبِ ارْتِفَاعِ كُلْفَةِ الإِنْتَاجِ نَفْسِهَا. وَرَغْمَ المُحَاوَلَاتِ الحُكُومِيَّةِ لِإِحْيَاءِ “مَشْرُوعِ البَتْلُو” وَتَحْسِينِ السُّلَالَاتِ، إِلَّا أَنَّ التَّحَدِّيَ الِاقْتِصَادِيَّ الأَكْبَرَ مَا زَالَ يَفْرِضُ ظِلَالَهُ.

إِنَّ اسْتِمْرَارَ هَذَا الْمُعَدَّلِ التَّنَازُلِيِّ دُونَ تَدَخُّلٍ جِذْرِيٍّ يُهَدِّدُ بِتَصْحِيرِ هَذِهِ الثَّرْوَةِ، حَتَّى يَصِلَ السُّوقُ إِلَى عَمَلِيَّةِ جَفَافٍ كَامِلٍ لِلْإِنْتَاجِ الْمَحَلِّيِّ، مِمَّا يَجْعَلُ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْخَارِجِ كُلِّيًّا وَيَضَعُ أَمْنَنَا الْغِذَائِيَّ فِي مَهَبِّ الرِّيَاحِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!