أصحاب المعاشات كرامة لا تقبل الانكسار، وواجب وطني مقدس يأبى التأجيل.

إِنَّ إِكْرَامَ رِجَالِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ وَأَصْحَابِ المَعَاشَاتِ لَيْسَ مِنَّةً وَلَا نَافِلَةَ فَضْلٍ، بَلْ هُوَ مَكْرُمَةٌ وَاجِبَةٌ اسْتَحَقُّوهَا بِبَذْلِهِمْ، وَإِعْطَاؤُهُمْ حُقُوقَهُمْ فَرْضُ عَيْنٍ تَقْتَضِيهِ العَدَالَةُ وَالتَّشْرِيعُ. وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ التَّجَاهُلَ أَوِ التَّرَاخِيَ عَنْ تَلْبِيَةِ مَطَالِبِهِمْ، أَوْ تَنَاسِيَ حُقُوقِهِمْ، يُعَدُّ قُصُورًا بَالِغًا وَسُبَّةً فِي جَبِينِ المُجْتَمَعِ وَمُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
لَقَدْ عَاشَ هَؤُلَاءِ الْأَجِلَّاءُ طَوَالَ حَيَاتِهِمْ سَنَدًا رَاسِخًا لِدَوْلَتِهِمْ، وَحِصْنًا مَنِيعًا لِمُجْتَمَعِهِمْ وَذَوِيهِمْ؛ رَعَوْا أَوْلَادَهُمْ وَأَحْفَادَهُمْ نَفْسِيًّا، وَمَادِّيًّا، وَمَعْنَوِيًّا، وَأَفَاضُوا عَلَيْهِمْ مِنْ حِكْمَتِهِمْ وَخِبْرَاتِهِمُ الَّتِي صَقَلَتْهَا الْأَيَّامُ وَالسِّنُونَ وَالتَّجَارِبُ.
فَمِنَ النُّكْرَانِ بِمَكَانٍ، وَمِنَ الثَّقِيلِ عَلَى النَّفْسِ الأَبِيَّةِ، أَلَّا يَكُونُوا الْيَوْمَ كَمَا كَانُوا بِالْأَمْسِ، وَأَنْ يَرَى هَؤُلَاءِ الْكِبَارُ أَنْفُسَهُمْ فِي مَوْقِعٍ لَا يَلِيقُ بِمَا قَدَّمُوهُ عَلَى مَدَارِ حَيَاتِهِمْ.
كَيْفَ يُطَالَبُونَ بِالِاسْتِمْرَارِ فِي نَشْرِ السَّكِينَةِ وَالْعَطَاءِ، وَهُمْ يُكَابِدُونَ الْأَمَرَّيْنِ لِسَدِّ رَمَقِهِمْ، أَوْ تَدْبِيرِ كُلْفَةِ دَوَائِهِمْ وَقُوتِهِمْ، فِي زَمَنٍ عَزَّتْ فِيهِ الْمَطَالِبُ إِلَّا بِجُهْدٍ جَهِيدٍ؟
إِنَّ عِفَّةَ النَّفْسِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الشَّكْوَى، فَلَا تَجِدُ كَثِيرَهُمْ يَجْأَرُونَ بِالْأَلَمِ، وَإِنْ نَطَقُوا فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فِي أَضْيَقِ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْحَدِيثِ عَنْ عَدَمِ كِفَايَةِ الْمَعَاشِ لِمُتَطَلَّبَاتِ الْحَيَاةِ يَنْغَرِزُ كَخَنْجَرٍ فِي قُلُوبِهِمْ، وَيَخْدِشُ كَرَامَتَهُمُ الشَّامِخَةَ الَّتِي لَا يَقْبَلُونَ الْمَسَاسَ بِهَا.
وَإِذَا مَا بَاحَ بَعْضُهُمْ بِهَمِّهِ لِذِي ثِقَةٍ، رَأَيْتَ حَدِيثَهُمْ عَنْ تَقْصِيرِ الجِهَاتِ المَعْنِيَّةِ مَشُوبًا بِابْتِسَامَةٍ بَاكِيَةٍ، تَخْتَزِلُ مِنَ المَرَارَةِ وَقَسْوَةِ الظُّرُوفِ مَا لَا تَسْتَطِيعُ الأَلْسُنُ تَفْصِيلَهُ، وَتَسْرُدُ مِنَ الأَسَى مَا يَمْنَعُهُمْ حَيَاؤُهُمْ، وَعِفَّتُهُمْ، وَأَنَفَتُهُمْ مِنْ بَوْحِهِ وَنَشْرِهِ.
إِنَّهُ لَمَشْهَدٌ يَفْطِرُ الْأَفْئِدَةَ قَبْلَ أَنْ تُدْمَعَ لَهُ الْعُيُونُ؛ أَنْ يَخْلُوَ وَاقِعُ الْمِيدَانِ مِنْ كَلِمَةِ دَعْمٍ صَادِقَةٍ تُؤَازِرُ هَؤُلَاءِ الْأَكَارِمَ، فِي وَقْتٍ يَنْشَغِلُ فِيهِ الْكَثِيرُونَ بِالسَّفَاسِفِ وَالْقَضَايَا الْهَامِشِيَّةِ عَلَى مِنَصَّاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
كَمَا أَنَّهُ لَمِنْ دَوَاعِي الْأَسَفِ أَنْ لَا يَجِدُوا فِي نُوَّابِ الشَّعْبِ صَوْتًا مَدْوِيًّا مُسْتَدَامًا يَذُودُ عَنْ حُقُوقِهِمْ، أَوْ أَنْ تَغْفَلَ الْجِهَاتُ التَّنْفِيذِيَّةُ عَنْ إِنْزَالِهِمُ الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ الَّتِي تَلِيقُ بِتَارِيخِهِمْ، وَأَنْ تَتَدَبَّرَ أَمْرَهُمْ بِكُلِّ جِدِّيَّةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ.
إِنَّ الْخَلَلَ كُلَّ الْخَلَلِ أَنْ يُطْوَى ذِكْرُ هَؤُلَاءِ الرِّجَالِ فِي زَوَايَا النِّسْيَانِ، أَوْ أَنْ يَتَأَخَّرَ تَرْتِيبُهُمْ فِي سُلَّمِ الْأَوْلَوِيَّاتِ الْوَطَنِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ أَفْنَوْا زَهْرَةَ شَبَابِهِمْ وَعُصَارَةَ عُقُولِهِمْ فِي رِفْعَةِ هَذَا الْوَطَنِ.

فَلَا خَيْرَ فِي أُمَّةٍ لَا تَقُولُ لِكِبَارِهَا “شُكْرًا” بِالْأَفْعَالِ النَّاطِقَةِ قَبْلَ الْأَقْوَالِ الْمُرْسَلَةِ، وَأَنْ تَكُونَ لَهُمْ دِرْعًا وَسَنَدًا وَعَوْنًا كَمَا كَانُوا لَهَا دَوْمًا عِمَادًا وَأَسَاسًا.
إِنَّهُ لَمِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ أَنْ يَنَالُوا حُقُوقَهُمْ كَامِلَةً غَيْرَ مَنْقُوصَةٍ، بِمَا يَضْمَنُ لَهُمْ حَيَاةً كَرِيمَةً تُوَفِّرُ كِفَايَةَ الْمَأْكَلِ، وَالْمَشْرَبِ، وَالْمَسْكَنِ، وَالرِّعَايَةِ الصِّحِّيَّةِ الَّتِي تَحْفَظُ مَاءَ وُجُوهِهِمْ.
وَنُعِيدُهَا صَيْحَةً مُدَوِّيَةً تَقْرَعُ ضَمَائِرَ الجَمِيعِ: إِنَّ إِكْرَامَ أَصْحَابِ المَعَاشَاتِ مَكْرُمَةٌ يَقْتَضِيهَا الوَفَاءُ، وَإِعْطَاءَهُمْ حُقُوقَهُمْ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ يَأْبَى التَّأْخِيرَ، وَتَجَاهُلُ مَطَالِبِهِمْ سُبَّةٌ فِي الجَبِينِ وَخَطَأٌ جَسِيمٌ لَا يَلِيقُ بِأُمَّةٍ تَعْرِفُ قِيمَةَ العَطَاءِ.




