“أمير عبدالمسيح” يكتب للسلطة الرابعة .. الشارع المصري يبحث عن «عسكري الدورية».. كيف يواجه غياب الانضباط الأمني بؤر البلطجة والتعاطي والتحرش؟

شهدت الآونة الأخيرة تنامياً ملحوظاً في بعض المظاهر السلبية داخل الشوارع المصرية، وخاصة في بعض المناطق الشعبية ذات الكثافة السكانية والتنوع الثقافي؛ حيث باتت ظواهر مثل “مشاجرات الشوارع”، وانتشار تعاطي المواد المخدرة علناً، وحالات التحرش، تشكل تهديداً مباشراً للسلم المجتمعي ولأمن المواطن البسيط. وأمام هذا المشهد، يبرز تساؤل ملح يطرحه الشارع: أين اختفت الدوريات الأمنية المتنقلة التي كانت صمام الأمان لضبط إيقاع الشارع قبل وقوع الجريمة؟
حنين إلى زمن “الردع المسبق” والاستجابة السريعة
إذا رجعنا بالذاكرة إلى الوراء، سنجد أن الدراما المصرية لم تكن تجسد “عسكري الدورية” أو “نقطة الشرطة” من فراغ، بل كان يعكس واقعاً ملموساً يمثل رادعاً نفسياً وقانونياً لكل من تسول له نفسه خرق القانون. كان التواجد الأمني المكثف يحقق مفهوم “الأمن الوقائي” الذي يمنع الجريمة قبل حدوثها.
كما كانت شرطة النجدة تمثل الملاذ السريع للمواطن عند شعوره بالخطر؛ فبمجرد الاستغاثة، كانت القوات تتحرك على الفور لتطويق الأزمة في مهدها، وهو ما يفتقده المواطنون الآن في كثير من الأحيان، حيث تتباين سرعة الاستجابة للبلاغات التقليدية مقارنة بالماضي، مما يترك المواطن المتضرر في مواجهة مباشرة مع الخارجين عن القانون.
“فخ الترند” والمعايير المزدوجة في التعامل مع البلاغات
من الملاحظات الجديرة بالرصد، هو تحول منصات التواصل الاجتماعي إلى “مُحرك” أساسي لبعض التحركات الأمنية. فلا ينكر أحد الكفاءة العالية والأجهزة الحديثة لوزارة الداخلية في ضبط الجناة بمجرد تحول الواقعة إلى “ترند” أو قضية رأي عام على “فيسبوك” أو “إكس”.
ولكن، يبقى السؤال المشهود: ماذا عن القضايا اليومية والمشاجرات والسرقات التي لا تحظى باهتمام السوشيال ميديا؟ إن الأمن حق أصيل لكل مواطن، ولا يجب أن يرتبط تحرك الأجهزة الأمنية بمدى انتشار تفاصيل الجريمة افتراضياً، بل يجب أن يكون التحرك فورياً وبنفس الكفاءة لجميع البلاغات الرسمية دون استثناء.
أين سيارات الدورية في الميادين والمواقف؟
يتساءل الشارع المصري اليوم -وبمشروعية كاملة- عن غياب التواجد الأمني المستمر في الأماكن الحيوية والمكتظة بالمواطنين، مثل:
الميادين العامة والرئيسية.
مواقف سيارات الأجرة (الميكروباص) التي تشهد احتكاكات يومية.
المناطق السكنية الشعبية والمتاخمة لأطراف المدن.
إن رصد ميزانيات ضخمة من ضرائب المواطنين وأموال الدولة لجهاز الشرطة، الهدف الأساسي منه هو توفير الأمن والأمان، وضمان نزول الدوريات المتحركة لتجوب الشوارع بانتظام، لإعادة الانضباط وكسر شوكة البلطجة والتحرش، وتجفيف منابع بيع وتعاطي المخدرات التي باتت تُمارس في بعض المناطق على مرأى ومسمع من الجميع.
نحو تفعيل الرقابة والمحاسبة داخل المنظومة الأمنية
إن إصلاح هذا الخلل يتطلب فتح ملف الرقابة الداخلية على أداء أفراد وقوات الشرطة بصرامة؛ لمعرفة من يتهاون في تلبية استغاثات المواطنين، أو من يتأخر في الحضور إلى مسرح الجريمة حتى يفوت الأوان.
نحن بحاجة إلى استعادة العقيدة الأمنية الراسخة بأن “الشرطة في خدمة الشعب” قولاً وفعلاً، وأن يعلم كل فرد ينتمي لهذا الجهاز الوطني أنه يتقاضى راتبه من قوت هذا الشعب لحمايته. نريد للمواطن الشريف أن يشعر بالطمأنينة والراحة بمجرد رؤية رجل الشرطة، وأن تنحصر الرهبة والخوف فقط في قلوب الخارجين عن القانون والمجرمين.
الأمان.. التعويض العادل للمواطن في ظل التحديات
يمر المواطن المصري حالياً بظروف اقتصادية ضاغطة وأعباء معيشية ثقيلة يعلمها الجميع، وإذا كان تحسين الوضع الاقتصادي يحتاج إلى وقت وجهد جماعي، فإن الحد الأدنى الذي يجب أن توفره الدولة للمواطن فوراً هو “الشعور بالأمان”. الأمان ليس رفاهية، بل هو المحرك الأساسي للاستقرار والعمل.
يا رجال الشرطة البواسل.. إن أمن هذا الوطن يتطلب تواجدكم الفاعل والمستمر في الشارع وسط الناس، لخلق حالة من الردع الاستباقي لكل من يفكر في ترويع الآمنين أو مخالفة القانون. أعيدوا “عسكري الدورية” ونظموا الحملات المتنقلة، لينعم الشارع المصري بالانضباط الذي يستحقه.




