إِبْلِيسُ فِي مِحْرَابِ الْيَأْسِ وَالذُّهُولِ أَمَامَ جَبَرُوتِ الْإِنْسَانِ…

فِي عُزْلَةٍ مُظْلِمَةٍ مُوحِشَةٍ، لَا تَقْطَعُ صَمْتَهَا أَنِينُ الشَّيَاطِينِ وَلَا زَفِيرُ النِّيرَانِ، يَقْبَعُ إِبْلِيسُ الْيَوْمَ مُنْكَسِرًا لَيْسَ لِقَيْدٍ مَا أَوْ لِلَعْنَةٍ سَمَاوِيَّةٍ مَأْلُوفَةٍ، أَوْ حُكْمٍ بِالنَّفْيِ تَعَوَّدَ عَلَيْهِ مُنْذُ فَجْرِ الْخَلِيقَةِ، بَلْ بِفِعْلِ “ذُهُولٍ وُجُودِيٍّ” صَاعِقٍ، زَلْزَلَ كَيَانَهُ الْمَلْعُونَ وَجَعَلَهُ فِي حَالَةٍ مِنَ الِاكْتِئَابِ الْحَادِّ لَمْ تَعْرِفْهُ مَمَالِكُ الْجَحِيمِ مِنْ قَبْلُ.
لَقَدْ كَفَّ «الْأُسْتَاذُ» عَنِ الْوَسْوَسَةِ، وَأَلْقَى بِتَاجِ الْغَوَايَةِ الْمُرَصَّعِ بِالْخَطَايَا جَانِبًا فِي رَمَادِ السَّأَمِ، بَعْدَمَا أَدْرَكَ بِيَقِينٍ مَرِيرٍ أَنَّ عَرْشَهُ الْهَزِيلَ قَدْ تَدَاعَى أَمَامَ سَطْوَةِ تِلْمِيذِهِ الْعَاصِي «الْإِنْسَانِ» الَّذِي قَدْ بَزَّهُ مَكْرًا، وَتَجَاوَزَهُ طُغْيَانًا.
لَقَدْ كَانَ طُمُوحُ إِبْلِيسَ تَارِيخِيًّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَايِسْتْرُو الَّذِي يَعْزِفُ لَحْنَ السُّقُوطِ مِنْ خِلَالِ إِغْوَاءِ الْبَشَرِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّ هَذَا الْمَخْلُوقَ الطِّينِيَّ سَيُطَوِّرُ فُنُونَ الشَّرِّ إِلَى حَدٍّ يَجْعَلُ “الْأُسْتَاذَ” يَقِفُ مَذْهُولًا، يَشْعُرُ بِالضَّآلَةِ وَالْعَجْزِ أَمَامَ بَرَاعَةِ مَنْ كَانَ يَعْتَبِرُهُمْ مُجَرَّدَ أَدَوَاتٍ فِي مَسْرَحِهِ.
فَمَا عَادَ إِبْلِيسُ قَادِرًا عَلَى مُوَاكَبَةِ الِابْتِكَارَاتِ الْبَشَرِيَّةِ فِي فُنُونِ الظُّلْمِ، وَلَا قُدْرَتِهِمُ الْفَائِقَةِ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ بِبُرُودٍ مَعْدَنِيٍّ، أَوْ تَنْمِيقِ الْخِدَاعِ بِحِرَفِيَّةٍ لَمْ تَرِدْ فِي أَعْتَى دَوَاوِينِ الْجَحِيمِ.
إِنَّهُ اكْتِئَابُ “الْمُتَقَاعِدِ” الَّذِي رَأَى سُوقَ عَمَلِهِ قَدِ اسْتُلِبَ مِنْهُ بِالْكَامِلِ.
يَنْظُرُ إِبْلِيسُ المَلْعُونُ المَنْبُوذُ بِحَسْرَةٍ إِلَى عَالَمٍ لَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ فِيهِ البَشَرُ إِلَى شَيْطَانٍ يَقُودُهُمْ، بَلْ صَارُوا هُمْ فَنَارَاتِ الشَّرِّ الَّتِي يَهْتَدِي بِهَا الظَّلَامُ.
إِنَّهُ اِنْكِسَارُ الغَاوِي الَّذِي رَأَى سُلْطَانَهُ يَتَهَاوَى أَمَامَ جَبَرُوتِ كَائِنٍ طِينِيٍّ، اسْتَمْرَأَ الدَّمَ وَتَفَنَّنَ فِي تَمْزِيقِ الرَّحْمَةِ بِيَدَيْهِ، حَتَّى بَاتَ الشَّيْطَانُ نَفْسُهُ يَتَعَوَّذُ مِنْ فِعَالِ بَنِي آدَمَ.
يَرْنُو بِعَيْنَيْنِ غَائِرَتَيْنِ يَحْرِقُهُمَا الذُّهُولُ إِلَى المَجَازِرِ العَصْرِيَّةِ الَّتِي تُحَاكُ بِبُرُودٍ مَشِينٍ، وَتُنَفَّذُ بِيُسْرٍ مَاهِلٍ عَبْرَ “ضَغْطَةِ زِرٍّ” خَاطِفَةٍ تَحْصِدُ الأَرْوَاحَ بِالجُمْلَةِ، وَيُعَايِنُ الزَّيْفَ الَّذِي لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ خِدَاعٍ عَابِرٍ، بَلِ اسْتَحَالَ عِلْمًا مُقَنَّنًا، وَمَنْهَجًا صَارِمًا يُدَرَّسُ فِي أَرْقَى مَحَافِلِ الضَّلَالِ.
يَتَأَمَّلُ تِلْكَ القُلُوبَ الآدَمِيَّةَ الَّتِي جَفَّتْ مَنَابِعُ الرَّحْمَةِ فِيهَا، حَتَّى اسْتَحَالَتْ صَلَابَتُهَا وَقَسْوَتُهَا أَعْتَى مِنْ حِجَارَةِ “سِجِّيلٍ” المَنْضُودِ.
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ المَفْصِلِيَّةِ، يَنْكَفِئُ عَلَى ذَاتِهِ، وَيَتَسَاءَلُ فِي نَفْسِهِ بِمَرَارَةٍ تَلْذَعُ كِبْرِيَاءَهُ: “أَيْنَ مَوْقِعِي مِنْ هَذَا الهَوْلِ الَّذِي جَاوَزَ المَدَى؟ وَمَا جَدْوَى وَسْوَسَتِي البِدَائِيَّةِ العَتِيقَةِ لِمَنْ صَارَ هُوَ بِنَفْسِهِ سُلْطَانًا مُطْلَقًا لِلشَّرِّ، وَمُهَنْدِسًا لِلخَرَابِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُعِينٍ؟”
لَقَدْ بَزَّ البَشَرُ مُعَلِّمَهُمُ الأَوَّلَ، وَأَرْبَى سَبْقُهُمْ فِي الشَّرِّ عَلَى كُلِّ خَيَالٍ؛ فَهُمْ لَمْ يَعُودُوا يَقْتَرِفُونَ المَعْصِيَةَ انْصِيَاعًا لِنَزْوَةٍ عَابِرَةٍ أَوْ هَوًى مُجَرَّدٍ، بَلْ صَارُوا يَتَفَنَّنُونَ فِي إِبَادَةِ بَعْضِهِمُ البَعْضَ بِمَسْحَةٍ مِنَ “الأَخْلَاقِ”، وَيُشَرْعِنُونَ الفَنَاءَ بِذَرَائِعَ “دِينِيَّةٍ” وَ”سِيَاسِيَّةٍ” مَلْتَوِيَةٍ، تَقِفُ حِيَالَهَا شَيْطَنَةُ إِبْلِيسَ عَاجِزَةً عَنْ فَهْمِ تِلْكَ التَّنَاقُضَاتِ الصَّارِخَةِ، الَّتِي تَمْزُجُ بَيْنَ دَمَوِيَّةِ الفِعْلِ وَطَهَارَةِ القَوْلِ.
إِنَّ مَشْهَدَ الدَّمَارِ المَحْضِ الَّذِي يُخَلِّفُهُ بَنُو آدَمَ بَاتَ مِنْ شَنَاعَتِهِ يَسْتَفِزُّ حَتَّى بَقَايَا “الضَّمِيرِ” المَيْتِ فِي كَيَانِ المَلْعُونِ؛ فَيَقِفُ مَأْخُوذًا يَتَأَمَّلُ تِلْكَ الأَيْدِي الَّتِي أُمِرَتِ المَلَائِكَةُ بِالسُّجُودِ لَهَا يَوْمًا بِأَمْرٍ إِلهِيٍّ، كَيْفَ لَهَا أَنْ تَبْتَدِعَ هَذِهِ المَهَالِكَ؟ وَكَيْفَ لِهَذَا المَخْلُوقِ “المُكَرَّمِ” أَنْ يَنْحَدِرَ بِإِرَادَتِهِ إِلَى دَرَكٍ سَحِيقٍ، لَمْ يَبْلُغْهُ فِي سُوءِ المُنْقَلَبِ حَتَّى عُتَاةُ الغُوَاةِ فِي قَاعِ الجَحِيمِ؟
إِنَّ صَرْخَةَ إِبْلِيسَ المَدَوِّيَةَ اليَوْمَ لَيْسَتْ أَنِينَ نَدَمٍ يَسْتَجْدِي المَغْفِرَةَ، وَلَا هِيَ ضَرَاعَةُ تَائِبٍ يَرْجُو العَوْدَةَ؛ فَقَلْبُهُ قَدْ خُتِمَ عَلَيْهِ بِأَغْلَالِ الطَّرْدِ الأَبَدِيِّ.
بَلْ هِيَ فِي جَوْهَرِهَا زَفِيرُ كِبْرِيَاءٍ جَرِيحٍ، وَنَعِيقُ عَظَمَةٍ وَاهِيَةٍ تَهَشَّمَتْ نِصَالُهَا عَلَى صَخْرَةِ الوَاقِعِ البَشَرِيِّ الأَشَدِّ قَسْوَةً وَأَكْثَرَ ظُلْمَةً.
إِنَّهَا صَرْخَةُ المُسْتَبِدِّ العَتِيقِ الَّذِي مَلَكَ الخَطِيئَةَ دُهُورًا، فَإِذَا بِهِ يَرَى نَفْسَهُ اليَوْمَ قَزَمًا ضَئِيلًا فِي حَضْرَةِ جَبَرُوتِ ابْنِ آدَمَ، وَتَفَنُّنِهِ المُرْعِبِ فِي إِيذَاءِ ذَاتِهِ وَبَنِي جِنْسِهِ.
لَقَدْ أَضْحَى “رَجِيمُ الْأَمْسِ” مُجَرَّدَ “مُبْتَدِئٍ” هَاوٍ يَتَلَمَّسُ خُطَاهُ فِي أَرْوِقَةِ مَدْرَسَةِ الْمَكْرِ الْبَشَرِيِّ الْحَدِيثِ؛ فَقَدْ هَوَتْ مِقْصَلَةُ الزَّيْفِ الْآدَمِيِّ عَلَى رَقَبَةِ كُلِّ قِيَمِ الشَّرِّ “الْكِلَاسِيكِيَّةِ” الَّتِي أَرْسَاهَا، لِتُعْلِنَ بِصَرِيرِهَا عَنْ بُزُوغِ عَصْرٍ جَدِيدٍ وَمُظْلِمٍ، لَا مَكَانَ فِيهِ لِلْمُصَمِّمِ الْأَوَّلِ.
يَقْبَعُ الشَّيْطَانُ الْآنَ فِي ظِلَالِ انْكِسَارِهِ، مُجَرَّدَ مُتَفَرِّجٍ حَزِينٍ يَنْدُبُ حَظَّهُ الْغَابِرَ، وَيَتَفَرَّسُ بِذُعْرٍ فِي جِنْسٍ بَشَرِيٍّ صَارُوا هُمُ “الشَّيَاطِينَ” الْحَقِيقِيِّينَ؛ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَلَغُوا مِنْ عُتُوِّ الْفِعْلِ وَبَشَاعَةِ الصَّنِيعِ مَا جَعَلَ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يَنْفُضُ يَدَيْهِ مِنْهُمْ، وَيَتَعَوَّذُ بِمَا بَقِيَ مِنْ كَيَانِهِ مِنْ هَوْلِ مَا تَقْتَرِفُهُ أَيْدِيهِمْ.
وَلَا جَرَمَ أَنْ يَحْدُثَ هَذَا الِانْقِلَابُ الكَوْنِيُّ؛ فَنَحْنُ نَعِيشُ فِي عَالَمٍ مَسْخٍ، انْتَزَعَ فِيهِ الْإِنْسَانُ رَايَةَ الضَّلَالِ، لِيُصْبِحَ الشَّرُّ فِيهِ “إِنْسَانِيًّا” بِامْتِيَازٍ، وَبِصِبْغَةٍ لَمْ تَعْرِفْهَا قَوَامِيسُ الْجَحِيمِ يَوْمًا.





