بيان حزب الدستور بشأن مشروع قانون جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة

يتابع حزب الدستور باهتمام بالغ المناقشات التي صاحبت مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، ويؤكد ابتداءً أن دعم جهود التنمية، وتعظيم الاستفادة من موارد الدولة، وتحقيق الأمن الغذائي، وجذب الاستثمارات، تمثل جميعها أهدافًا وطنية لا خلاف عليها. غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن ينفصل عن الالتزام بالدستور، واحترام مبادئ الدولة المدنية الديمقراطية، وبناء مؤسسات قوية خاضعة للمساءلة، باعتبارها الضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية وعدالة توزيع ثمارها على المواطنين.
أن جوهر تحفظ حزب الدستور على مشروع القانون لا يتعلق بالأهداف التي اعلنها، ولن يخوض في تفاصيل آثاره وتداعياته الاقتصادية، وإنما بالفلسفة التي يقوم عليها. فبدلًا من أن يمثل المشروع خطوة نحو إصلاح مؤسسات الدولة وتطوير كفاءتها وتمكينها من أداء أدوارها، فإنه يكرس نهجًا بات مكررا خلال السنوات الأخيرة، يقوم على إنشاء كيانات استثنائية موازية تُمنح صلاحيات واسعة خارج الأطر المؤسسية للدولة المصرية، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف المؤسسات القائمة بدلًا من تطويرها، ويطرح تساؤلات مشروعة حول مستقبل الإدارة العامة في الدولة المصرية.
إن الدولة القوية لا تُبنى بتعدد الكيانات التي تمارس الاختصاصات نفسها، وإنما ببناء مؤسساتها العامة وتحديد اختصاصاتها وفقا لاهداف واضحة معلنة، وان تكون هذه المؤسسات خاضعة للمحاسبة، وقادرة على تنفيذ السياسات العامة بكفاءة وشفافية. أما اللجوء المستمر إلى إنشاء كيانات موازية كلما واجهت مؤسسات الدولة تحديات في الأداء، فإنه لا يعالج جذور المشكلة، بل يؤجلها، ويضيف مستويات جديدة من التعقيد والازدواجية في صنع القرار.
كما أن مشروع القانون، في صيغته الحالية، يثير عددًا من المخاوف المؤسسية والدستورية، من بينها اتساع الصلاحيات الممنوحة للجهاز في إدارة الأصول والأراضي والمشروعات، والجمع بين أدوار متعددة داخل كيان واحد، بما يستدعي وضع ضمانات أكثر وضوحًا تحول دون تضارب الاختصاصات أو تركيز السلطات الاقتصادية والإدارية في جهة واحدة. كما أن إدارة الأصول العامة، بما تمثله من ثروة مملوكة للشعب، تستوجب أعلى درجات الشفافية والإفصاح والرقابة البرلمانية والمحاسبية، بما يعزز ثقة المواطنين ويصون المال العام.
ويؤكد الحزب أن التعديلات التي أُدخلت أثناء المناقشات البرلمانية، ولا سيما ما يتعلق بتوسيع نطاق الرقابة وإخضاع الجهاز لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات وتعزيز دور مجلس النواب، تمثل خطوات إيجابية تستحق التقدير، وتعكس أهمية الحوار البرلماني ودور المعارضة في تحسين التشريعات. إلا أن هذه التعديلات، على أهميتها، لم تعالج الإشكالية الأساسية المتعلقة بطبيعة الجهاز وموقعه داخل البناء المؤسسي للدولة.
كما يؤكد الحزب أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تقوم على تركيز السلطات، وإنما على ترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، والفصل الواضح بين الاختصاصات، وسيادة القانون، وتكافؤ الفرص، وضمان المنافسة العادلة، وتعزيز دور القطاع الخاص الوطني في إطار من الشفافية والرقابة والمساءلة. فالإدارة الرشيدة للموارد العامة لا تقاس فقط بسرعة الإنجاز، وإنما بقدرتها على تحقيق التنمية مع الحفاظ على الثقة في مؤسسات الدولة، وصيانة الحقوق، وضمان خضوع الجميع للقانون.
انطلاقًا من هذه الرؤية، يدعو حزب الدستور إلى إعادة النظر في فلسفة مشروع القانون، بما يضمن أن يكون جهاز مستقبل مصر أداة لدعم مؤسسات الدولة لا بديلًا عنها، وأن تُحدد اختصاصاته بصورة دقيقة تمنع التداخل مع الجهات القائمة، مع تعزيز الرقابة البرلمانية والقضائية والمحاسبية، وإقرار التزامه الواضح بالإفصاح الدوري عن أعماله وإدارت للأصول العامة، ووضع ضمانات تكفل عدم تعارض الأدوار التنظيمية والاستثمارية مع مؤسسات الدولة القائمة، وحماية حقوق الملكية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
إن حزب الدستور يؤمن بأن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن الديمقراطية، وبأن مؤسسات ووزارات الدولة القائمة اولى بالتمكين والإضطلاع بدورها في تحقيق التنمية المستدامة والاستثمارات المرجوة، وتحقيق الامن الغذائي والحماية الاجتماعية للمواطنين، كما يرى أن بناء اقتصاد قوي يبدأ ببناء دولة قوية بمؤسساتها، لا بتجاوزها. فالدولة المدنية الديمقراطية التي يحكمها الدستور، وتخضع فيها جميع السلطات والجهات للرقابة والمساءلة، هي وحدها القادرة على تحقيق تنمية مستدامة تعود ثمارها على جميع المصريين وتحفظ حقوق الأجيال القادمة




