البابا شنودة… والصليب: أمانة الراعي ونصرة الصليب

شهر مارس في وجدان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ليس مجرد صفحة عابرة في التقويم، بل هو شهر مفعم بالذكريات الروحية العميقة، وهو بمثابة شهر “الحصاد الملائكي” الذي يجتمع فيه عمالقة الروح، حيث تتوالى فيه نياحات كوكبة من الآباء القديسين الذين تركوا بصمات لا تُمحى في تاريخ الكنيسة وحياة أبنائها. ففي مستهل هذا الشهر، تحتفل الكنيسة بعيد نياحة البابا كيرلس السادس، الرجل الذي عاش حياة الصلاة والتقشف وصار أيقونة روحية في قلوب الملايين، والذي أرسى القواعد الروحية والتعلق بالسمائيات، ثم تتوالى الذكريات مع نياحة القمص فلتاؤس السرياني، ذلك الأب الناسك الذي ارتبط اسمه بالزهد والوداعة، ثم نياحة القمص بيشوي كامل، أحد أبرز خدام الكنيسة في العصر الحديث وصاحب البصمة المؤثرة في خدمة الشباب.
وفي السابع عشر من مارس، يقف الأقباط وقفة خاصة، حيث تحل ذكرى نياحة العظيم في البطاركة، البابا شنودة الثالث، الذي لم يكن مجرد بطريرك، بل كان رمزًا وطنيًا وروحيًا تجاوزت مكانته حدود الكنيسة إلى وجدان الوطن كله. لقد جاء البابا شنودة ليُكمل المسيرة ببناء المؤسسة وتدعيم الوجود القبطي وطنياً ودولياً، وبعدها بيومين، في التاسع عشر من مارس، تحتفل الكنيسة بعيد الصليب، ذلك العيد الذي يحمل في طياته معاني الألم والنصرة، الصليب الذي صار فخرًا وقوة، وعنوانًا للإيمان الصامد وسط التجارب.
لقد قاسى الأقباط كثيرًا عبر سنوات طويلة، لكن وجود راعٍ قوي مثل البابا شنودة الثالث جعلهم يشعرون أن الله يقودهم وسط الضيقات، وأن الكنيسة ليست وحدها، بل محمولة على ذراعي العناية الإلهية. وفي وقت نياحته، كان المشهد عصيبًا ومؤلمًا، إذ تزامن ذلك مع فترة من أشد الفترات قسوة على الأقباط، كانت بمثابة “مخاض عسير” للوطن كله، حيث وقف البابا كجبل راسخ لا تهزه رياح التغيير العاتية، في وقت خرجت فيه تيارات تحمل أفكارًا متطرفة، ووقعت أحداث طائفية متتالية زرعت الخوف والقلق في النفوس.
شعر كثيرون وقتها أن الدولة لم تعد تحتوي كافة مواطنيها كما ينبغي، بل بدت وكأنها تسمح – ولو بالصمت – لأصوات متطرفة أن تعبث بأمن المجتمع ووحدته. رأى الناس بأعينهم كيف تُهدم الكنائس في وضح النهار، كما حدث في قرية صول، وكيف تم إنزال الصليب من كنيسة الماريناب، مرورًا بأحداث المقطم، وحرق كنائس إمبابة، وصولًا إلى الحدث الأكثر ألمًا ووجعًا في الذاكرة القبطية، وهو أحداث ماسبيرو، الذي ترك جرحًا غائرًا في قلوب الجميع.
ورغم أن قداسة البابا شنودة كان في أشد أيام مرضه، ورغم ما كان يعانيه من اعتلال صحي، إلا أنه ظل الظهر القوي الذي يتكئ عليه الأقباط، يطمئنون بوجوده، ويشعرون أن هناك جبلًا لا يهتز يحميهم، وأن إلههم لم يتركهم في مهب الريح. كان صوته، حتى في ضعفه، مصدر قوة، وكانت كلماته عزاءً، وكان حضوره ضمانة نفسية وروحية لجماهير عريضة تبحث عن الأمان.
وفي السابع عشر من مارس عام 2012، خرج الأقباط ، بل وخرج معهم كثير من المصريين – ليودعوا أباهم وراعيهم. كانت جنازة مهيبة، أُطلق عليها “جنازة القرن”، لم يكن الحزن فيها حكرًا على فئة بعينها، بل امتد ليشمل كل من أحب هذا الوطن وقدّر رموزه المخلصة. قيل وقتها إن من خرجوا لم يكونوا الأقباط فقط، بل كل مصري صادق شعر بقيمة هذا الرجل ومكانته، وبرهنوا على أن القوة ليست في السلطة، بل في المحبة التي تجبر الملايين على الانحناء احتراماً.
وفي المقابل، لم تخلُ الصورة في ذات الوقت من أصوات حاقدة حاولت التقليل من قيمة البابا شنودة، أو طمس تأثيره المحلي والعالمي، رغم أن مشهد الجنازة والوفود الرسمية والدينية والسياسية التي حضرت من مختلف أنحاء العالم كان أبلغ رد على تلك المحاولات. بل وصل الأمر ببعضهم إلى محاولة العبث بإرثه، إرث الكنيسة والحقد عليها وعلي باباها الذي استمد قوته من إلهه ، حين تقدم أحد المنتمين للتيارات الإسلامية المتطرفة ( الاخوان المسلمين ) بدعوى قضائية يطالب فيها بالترشح لمنصب بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وكأن المكانة تُنال بحكم قضائي، أو التاريخ يُكتب بقرار إداري.
وقتها، لم يكن أمامي سوى أن أكتب عبارة اختصرت المشهد كله: “علموا مكانته فاشتهوا مكانه”؛ وهي عبارة تعتبر عن الفجوة الشاسعة بين “المكانة” التي تُبنى بالدموع والخدمة والنسك، وبين “المكان” الذي توهم البعض أنه مجرد منصب يُنال بالمطالبة. لكنها كانت أمنية بعيدة المنال وهيهات أن ينالوها أو ينالوا من الكنيسة مهما كانت مساعيهم لذلك
وجاءت نياحة قداسة البابا شنودة الثالث متزامنة بشكل يحمل دلالة عميقة، إذ سبقت عيد الصليب، فكان “الثالث” وهو يوم الصلاة من أجل تعزية الحزانى موافقًا لعيد الصليب ، وكأن السماء أرادت أن تقول إن التعزية الحقيقية لا تأتي إلا من الصليب، وإن الألم لا يُفهم إلا في ضوء الرجاء، وكأن الصليب في ذلك التوقيت لم يكن مجرد ذكرى، بل كان “عرشاً” ارتقى عليه البابا في سنواته الأخيرة، مصلوباً بآلام المرض من جهة، وبآلام شعبه من جهة أخرى، فكانت الرسالة السماوية أن رحيل “الحامي الأرضي” هو تسليم للأمانة لصاحب الصليب نفسه، ليظل هو المعزي الحقيقي وسط نيران الفتن.
كان الصليب في تلك اللحظة هو اليد التي تربت على قلوب الأقباط، يعزيهم، ويذكرهم بأن الصليب لم يكن يومًا علامة هزيمة، بل كان دائمًا طريق القيامة، وأن ما يحملونه من آلام إنما هو شركة مع المسيح، ومصدر قوة لا ضعف. لقد صار الصليب فخرهم، وقوتهم، وسندهم في مواجهة كل عاصفة.
وهكذا، يظل شهر مارس شاهدًا على تلاقي الحزن والرجاء، الألم والتعزية، الرحيل والبقاء… ففيه رحل الآباء، لكن آثارهم لم ترحل، وفيه يُرفع الصليب عاليًا ليعلن أن النهاية ليست موتًا، بل بداية جديدة، وأن الكنيسة التي عبرت الضيقات ستظل ثابتة، لأن أساسها ليس إنسانًا، مهما عظم، بل إيمان حي لا يتزعزع، وأن مصر التي قال عنها البابا إنها “وطن يعيش فينا” ستظل محروسة بصلوات من رحلوا بجسدهم وبقوا بأثرهم




