«معول الفتنة وأمانة الوحدة: من يطعن خاصرة الأمة؟

بَيْنَ مَطَارِقِ الْأَزَمَاتِ، وَسَنَادِينِ الِانْقِسَامِ، وَالتَّحَدِّيَاتِ الْكُبْرَى الَّتِي تُهَدِّدُ بَقَاءَنَا؛ يَبْرُزُ السُّؤَالُ الْحَارِقُ: مَنْ يُوقِدُ نِيرَانَ الْفِتْنَةِ فِي جَسَدِ الْأُمَّةِ؟
فِي هَذَا الْمُنْعَطَفِ التَّارِيخِيِّ الْمَفْصِلِيِّ الْعَصِيبِ، وَبَيْنَمَا تَتَكَالَبُ سُحُبُ التَّحَدِّيَاتِ الْوُجُودِيَّةِ لِتَعْصِفَ بِكَيَانِ أُمَّتِنَا الْعَرَبِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ، يَنْبَثِقُ سُؤَالٌ مِحْوَرِيٌّ يَكْوِي ضَمِيرَ كُلِّ حُرٍّ أَبِيٍّ غَيُورٍ: مَنْ ذَا الَّذِي يَنْفُثُ فِي رَمَادِ الخِلَافِ لِيُوقِدَ نِيرَانَ الفِتْنَةِ؟ وَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْعَى لِتَقْطِيعِ أَوَاصِرِ الوَحْدَةِ، وَتَفْتِيتِ عَضُدِ العَرَبِ وَالمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ الحَرِجَةِ مِنْ تَارِيخِنَا؟ وَمَنْ هِيَ الْأَيَادِي الْخَفِيَّةُ الَّتِي تَعْبَثُ بِنَسِيجِ أُلْفَتِنَا، وَتَعْمَلُ عَلَى تَقْوِيضِ أَرْكَانِ التَّضَامُنِ الْعَرَبِيِّ وَالْإِسْلَامِيِّ؟ وَلِمَاذَا يُسْتَعَرُ فَتِيلُ التَّمْزِيقِ هَذَا فِي لَحْظَةٍ نَحْنُ فِيهَا أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى رَصِّ الصُّفُوفِ؟
وَتُؤَكِّدُ الشَّوَاهِدُ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أَنَّ مَا يَحْدُثُ اليَوْمَ لَيْسَ طَفْرَةً عَرَضِيَّةً، أَوْ وَلِيدَةَ صُدْفَةٍ، بَلْ هُوَ نِتَاجُ هَنْدَسَةٍ خَبِيثَةٍ لِتَحَالُفٍ شَيْطَانِيٍّ، وَتَقَاطُعٍ مَشْبُوهٍ بَيْنَ مَطَامِعِ قُوَىً عَالَمِيَّةٍ وَإِقْلِيمِيَّةٍ، وَجَهْلٍ دَاخِلِيٍّ مُسْتَحْكِمٍ.

وَفِي الْوَاقِعِ إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي رَاهِنِ أُمَّتِنَا يُدْرِكُ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالاً لِلرَّيْبِ أَنَّ الدَّوَائِرَ الِاسْتِعْمَارِيَّةَ وَالْقُوَى الصِّهْيَوْنِيَّةَ قَدْ أَيْقَنَتْ أَنَّ تَقْوِيضَ أَرْكَانِ الْكُتْلَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ هُوَ الْمِعْرَاجُ الْوَحِيدُ لِبَسْطِ هَيْمَنَتِهَا الْجِيُوسِيَاسِيَّةِ.
وَمِنْ هُنَا، انْبَرَتْ هَذِهِ الْقُوَى لِحِيَاكَةِ دَسَائِسِ الْفِتَنِ الْعِرْقِيَّةِ وَالْمَذْهَبِيَّةِ، وَنَصْبِ شِبَاكِ الْأَزَمَاتِ الْمُتَلَاحِقَةِ، مُتَّخِذَةً مِنْ حُرُوبِ الْعُقُولِ سِلَاحاً فَتَّاكاً يَقُودُنَا إِلَى حَتْفِنَا بِأَيْدِينَا لَا بِأَيْدِي خُصُومِنَا.
لَقَدْ سَخَّرَتْ هَذِهِ الْقُوَى أَدَوَاتِ حُرُوبِ الْجِيلِ الرَّابِعِ لِتَحْوِيلِ التَّنَوُّعِ الْحَضَارِيِّ الثَّرِيِّ الَّذِي كَانَ يَوْماً مَصْدَرَ فِخَارِنَا إِلَى خَنَاجِرَ مَسْمُومَةٍ، يُمَزِّقُ بِهَا الْإِخْوَةُ جَسَدَهُمُ الْوَاحِدَ، فِي مَشْهَدٍ تَرَاجِيدِيٍّ تَتَحَوَّلُ فِيهِ ثَرْوَةُ الِاخْتِلَافِ إِلَى مِحْنَةٍ لِلِائْتِلَافِ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّ التَّشْخِيصَ الْأَمِينَ يَسْتَوْجِبُ مِنَّا أَنْ نَعْتَرِفَ بِأَنَّ الْمُؤَامَرَةَ مَا كَانَ لَهَا أَنْ تَنْفُذَ لَوْلَا وُجُودُ بِيئَةٍ دَاخِلِيَّةٍ هَشَّةٍ.
فَالشَّرِيكُ الْأَوَّلُ فِي هَذِهِ الْمَأْسَاةِ هُوَ الْغُلُوُّ الْفِكْرِيُّ، وَأَدْعِيَاءُ الْعِلْمِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ مَنَابِرِهِمْ مَعَاوِلَ لِهَدْمِ الْجُسُورِ؛ فَكَفَّرُوا هَذَا وَخَوَّنُوا ذَاكَ، وَضَيَّقُوا وَاسِعَ الرَّحْمَةِ حَتَّى صَارَ الدِّينُ فِي خِطَابِهِمْ سِجَالًا لِلْإِقْصَاءِ لَا مَنَارَةً لِلْإِخَاءِ.
وَلَا تَقِلُّ «مَنَصَّاتُ التَّضْلِيلِ الرَّقَمِيِّ» جُرْمًا؛ فَقَدْ غَدَا الفَضَاءُ السِّيبِرَانِيُّ مُسْتَنْقَعًا لِـ «ذُبَابٍ» مَأْجُورٍ، لَا يَقْتَاتُ إِلَّا عَلَى إِذْكَاءِ الحَرَائِقِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَنَثْرِ بُيُوضِ الشَّائِعَاتِ الَّتِي تَبْنِي سُدُودًا مِنَ البَغْضَاءِ بَيْنَ أَبْنَاءِ العَقِيدَةِ المَصِيرِيَّةِ الوَاحِدَةِ.
إِنَّ سِهَامَ هَؤُلَاءِ لَا تُخْطِئُ مَرْمَاهَا؛ إِذْ يَسْتَهْدِفُونَ «الرَّمِيدَ الْحَيَّ» النَّابِضَ فِي جَوْهَرِ هَوِيَّتِنَا، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِيُطْفِئُوا جَذْوَةَ صُمُودِنَا، وَيُحِيلُوهَا إِلَى رَمَادٍ هَشٍّ تَذْرُوهُ رِيَاحُ التَّبَعِيَّةِ المُرَّةِ المَقِيتَةِ، فَلَا تَبْقَى لَنَا بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّةِ التَّارِيخِ.
إِنَّ هَذَا التَّمْزِيقَ الْمُتَعَمَّدَ لَيْسَ مُجَرَّدَ خِلَافٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ طَعْنَةٌ فِي خَاصِرَةِ الْوُجُودِ الْحَضَارِيِّ لِلْأُمَّةِ؛ فَالِاسْتِكَانَةُ لِلضَّعْفِ لَا تُورِثُ إِلَّا الِارْتِهَانَ، وَالتَّشَرْذُمُ لَيْسَ لَهُ قِبْلَةٌ إِلَّا الضَيَاعُ وَتَبَدُّدُ الثَّوَابِتِ.
لَمْ يَعُدِ الِانْقِسَامُ تَرَفًا فِكْرِيًّا، بَلْ غَدَا مِعْوَلَ هَدْمٍ يَسْتَهْدِفُ جَذْرَنَا الضَّارِبَ فِي التَّارِيخِ؛ فَكُلُّ شَرْخٍ فِي صَفِّنَا هُوَ نَزِيفٌ مِنْ قُوَّتِنَا، وَكُلُّ تَنَاحُرٍ هُوَ تَمْهِيدٌ لِسَلْبِ السِّيَادَةِ.
إِنَّ مَسْؤُولِيَّتَنَا الدِّينِيَّةَ وَالْأَخْلَاقِيَّةَ وَالسِّيَاسِيَّةَ تَقْتَضِي أَنْ نَكُونَ جَمِيعًا حَوَائِطَ صَدٍّ أَمَامَ أَعَاصِيرِ الزَّيْفِ، مُقَدِّمِينَ «فِقْهَ الِائْتِلَافِ» عَلَى نَزَعَاتِ الِاخْتِلَافِ.
لَقَدْ آنَ لِلْغَافِلِينَ أَنْ يَسْتَفِيقُوا، وَلِلْمُؤَجِّجِينَ أَنْ يَنْكَسِرُوا؛ فَمَا تَبْنِيهِ الْفِتْنَةُ فِي سَنَوَاتٍ، يَهْدِمُهُ الْوَعْيُ فِي لَحَظَاتٍ.
كَمَا إِنَّ وَحْدَتَنَا فِي هَذَا التَّوْقِيتِ بِالتَّحْدِيدِ لَيْسَتْ خِيَارًا سِيَاسِيًّا، بَلْ هِيَ ضَرُورَةٌ إِيمَانِيَّةٌ وَمَصِيرِيَّةٌ، وَكُلُّ مَنْ يُسَاهِمُ فِي هَدْمِهَا إِنَّمَا يَخُونُ مِيثَاقَ الْأُمَّةِ وَأَمَانَةَ التَّارِيخِ.




