عِنْدَمَا تَنْتَحِرُ الأُمُومَةُ عَلَى أَعْتَابِ المَقَابِرِ: صَرْخَةٌ ضِدَّ مَسْخِ الهُوِيَّةِ

تَدَاوَلَ رُوَّادُ مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ مُنْذُ أَيَّامٍ مَقْطَعَ فِيدْيُو يُدْمِي القُلُوبَ وَيُذْهِلُ العُقُولَ؛ لِسَيِّدَةٍ مُطَلَّقَةٍ اصْطَحَبَتْ طِفْلَيْهَا (وَلَدًا وَبِنْتًا) لَمْ يَبْلُغَا بَعْدُ رَبِيعَهُمَا الرَّابِعَ، إِلَى المَقَابِرِ، فِي مَشْهَدٍ يَفُوقُ قُدْرَةَ العَقْلِ البَشَرِيِّ عَلَى الِاسْتِيعَابِ.
وَقَفَتْ بِهِمَا أَمَامَ أَحَدِ القُبُورِ قَائِلَةً فِي تَبَلُّدٍ مُخِيفٍ: «هَذَا قَبْرُ أَبِيكُمَا حَتَّى لَا تَسْأَلَانِي عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى.. أَبُوكُمَا مَاتَ، وَأَنَا أُمُّكُمَا وَأَبُوكُمَا.
لَقَدْ هَرَبَ مِنْ مَسْؤُولِيَّتِكُمَا وَتَحَمَّلْتُهَا أَنَا، فَهَلْ حَرَمْتُكُمَا مِنْ شَيْءٍ؟ لَا يَسْأَلْنِي أَحَدٌ بَعْدَ اليَوْمِ أَيْنَ أَبِي.. أَبُوكُمْ رَاقِدٌ هُنَا وَلَنْ يَسْتَيْقِظَ أَبَدًا. وَكُلَّمَا تَذَكَّرْتُمُوهُ فَقُولَا: اللَّهُ يَجْحَمُهُ يَا أَبِي.. هَيَّا ادْعُوَا عَلَيْهِ وَقُولَا: اللَّهُ يَجْحَمُهُ حَيْثُمَا ذَهَبَ».

وَكَانَ الطِّفْلَانِ البَرِيئَانِ يُرَدِّدَانِ خَلْفَهَا بِانْصِيَاعٍ طُفُولِيٍّ مَفْجُوعٍ: «اللَّهُ يَجْحَمُكَ يَا بَابَا مَطْرَحَ مَا رُحْتَ».
لِتُنْهِيَ هَذِهِ الْأُمُّ تَوْجِيهَاتِهَا الرَّعْنَاءَ بِضِحْكَةٍ هِسْتِيرِيَّةٍ، تَقْطُرُ شَمَاتَةً وَتَشَفِّيًا، وَمُكَايَدَةً، تَشِي بِأَنَّ الْأَبَ مَا زَالَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْمَشْهَدَ الْجَنَائِزِيَّ كُلَّهُ لَيْسَ إِلَّا مَسْرَحِيَّةً هَزْلِيَّةً أُخْرِجَتْ بِخُبْثٍ لِتَصْفِيَةِ حِسَابَاتٍ شَخْصِيَّةٍ.
وَهُوَ مَا تَكَشَّفَ لَنَا جَلِيًّا لَاحِقًا؛ إِذْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَبَ فِعْلًا مَا زَالَ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ.
وَفِي وَاقِعِ الْأَمْرِ، حِينَمَا نَشْهَدُ أُمًّا تَقْتَادُ فِلْذَاتِ كَبِدِهَا إِلَى وَحْشَةِ الْمَقَابِرِ لِتَغْرِسَ فِي وِجْدَانِهِمُ الْغَضِّ بَذْرَةَ الْأَحْقَادِ السَّامَّةِ، ثُمَّ تَتَجَرَّأُ عَلَى تَوْثِيقِ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ النَّكْرَاءِ وَبَثِّهَا لِلْعَلَنِ قُرْبَانًا لِآلِهَةِ “اللَّايْفَاتِ” وَحَصْدِ الْمُشَاهَدَاتِ؛ فَإِنَّنَا حَتْمًا لَا نَقِفُ أَمَامَ مَنْهَجٍ طَائِشٍ فِي التَّرْبِيَةِ، بَلْ نَحْنُ أَمَامَ “مَسْخٍ تَرْبَوِيٍّ” وَانْحِدَارٍ أَخْلَاقِيٍّ غَيْرِ مَسْبُوقٍ.
فَأَيًّا كَانَ مَا فَعَلَهُ الْأَبُ مِنْ خَطَايَا وَآثَامٍ، فَمَا ذَنْبُ هَؤُلَاءِ الْأَطْفَالِ لِيَكُونُوا وَقُودًا لِمَعَارِكِ الْكِبَارِ وَيُقْذَفَ بِهِمْ فِي أَتُونِ تِلْكَ الصِّرَاعَاتِ؟ وَكَيْفَ يَطِيبُ لِأُمٍّ أَنْ تَسْقِيَ أَطْفَالَهَا كُؤُوسَ الْكُرْهِ وَالنِّقْمَةِ بَدَلًا مِنْ أَنْ تَغْمُرَهُمْ بِدِفْءِ الْمَحَبَّةِ وَالِاحْتِوَاءِ؟ وَتُخْرِجَ لِلْمُجْتَمَعِ قَنَابِلَ نَفْسِيَّةً مَوْقُوتَةً مَشْحُونَةً بِالْعُقَدِ وَالِانْكِسَارَاتِ؟.
وَفِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، فَإِنَّ هَذِهِ النَّمَاذِجَ النِّسَائِيَّةَ لَا تَمُتُّ بِصِلَةٍ إِلَى الْمُجْتَمَعِ الْمِصْرِيِّ الَّذِي نَعْهَدُهُ وَنَعْرِفُهُ، وَلَا تَعْكِسُ هُوِيَّتَنَا الْمِصْرِيَّةَ الْأَصِيلَةَ، كَمَا أَنَّهَا تَنْسَلِخُ تَمَامًا عَنِ الْقِيَمِ الرَّصِينَةِ الَّتِي نَشَأْنَا عَلَيْهَا فِي بُيُوتِنَا وَمَدَارِسِنَا، بَلْ إِنَّهُنَّ نِسَاءٌ مِنْ مُجْتَمَعٍ آخَرَ مَشُوهٍ مَحْكُومٍ بِهَوَسِ “الْبُلُوجَرْزِ”، وَلَهَاثِ “اللَّايْفَاتِ”، وَمَعَارِكِ “الرُّؤْيَةِ وَالْحَضَانَةِ وَالنَّطَاعَةِ” الْأُسَرِيَّةِ.
إِنَّهُ ذَاكَ التَّنَاقُضُ الصَّارِخُ وَالِانْفِصَامُ المَقِيتُ؛ حِينَمَا تَتَعَالَى طَبَقِيَّةٌ مُخْمَلِيَّةٌ فِي جُنُونِ هَوَسِهَا بِكُلِّ مَا هُوَ دَخِيلٌ عَلَى قِيَمِنَا الأَصِيلَةِ، لِتَرْسُمَ المَلَامِحَ الطَّارِئَةَ لِهَذَا المُجْتَمَعِ المَسْخِ.
إِنَّهَا بِيئَةٌ هَجِينَةٌ تَفِيضُ بِالتَّشَوُّهَاتِ السُّلُوكِيَّةِ وَالمَعْرِفِيَّةِ، وَتَنْسَلِخُ تَمَامًا عَنْ أَصَالَةِ نَشْأَتِنَا، وَكُلِّ مَا اسْتَقَرَّ فِي عُمْقِ وِجْدَانِنَا مِنَ المُرُوءَةِ وَالسَّوَاءِ.
كَمَا أَنَّ الصَّمْتَ عَنْ تَمَدُّدِ هَذَا الوَبَاءِ الكَارِثِيِّ سَيَأْتِي عَلَى مَا تَبَقَّى مِنَ الأَخْلَاقِ، وَيُقَوِّضُ المَفْهُومَ المُقَدَّسَ لِلْبِنَاءِ الأُسَرِيِّ، لِنَجِدَ أَنْفُسَنَا مَسُوقِينَ نَحْوَ مَصِيرِ الجُمُوحِ وَالِانْسِلَاخِ عَنِ الجُذُورِ؛ لَا نَخْتَلِفُ حِينَئِذٍ عَنْ تِلْكَ الأَقَلِّيَّاتِ المُغْتَرِبَةِ مِنَ الجِيلِ الثَّالِثِ فِي غَيَاهِبِ أُورُوبَّا.
هُوِيَّةٌ مَبْتُورَةٌ، لَا يَجْمَعُنَا بِهَا سِوَى أَسْمَاءٍ عَرَبِيَّةٍ رَنَّانَةٍ، وَمَظَاهِرَ جَوْفَاءَ خَاوِيَةٍ تَبْكِي عَلَى أَطْلَالِ أُمَّةٍ.
فَهَلْ بَاتَ عَلَيْنَا نَحْنُ الْمُتَمَسِّكِينَ بِتِلَادِ الْقِيَمِ وَأَصَالَةِ الْمَاضِي أَنْ نَرْثِيَ أَنْفُسَنَا كَأَقَلِّيَّةٍ تَحْتَضِرُ عَلَى حَافَةِ الْغِيَابِ وَالطَّمْسِ؟.
إِنَّ كَائِنًا يَرْتَدِي ثَوْبَ الْأُمُومَةِ وَيَتَجَرَّأُ بِمِثْلِ هَذِهِ النَّذَالَةِ عَلَى نَقَاوَةِ الْفِطْرَةِ، لَا بُدَّ أَنْ يُسَاقَ فَوْرًا إِلَى مَحَارِيبِ الْعَدَالَةِ، وَأَنْ تُنْزَعَ مِنْهُ أَهْلِيَّةُ الْحَضَانَةِ دُونَ تَوَاكُلٍ أَوْ إِبْطَاءٍ؛ فَهِيَ أَبْعَدُ مَا تَكُونُ عَنْ قَدَاسَةِ الرِّسَالَةِ، وَأَعْجَزُ عَنْ حَمْلِ أَمَانَةِ التَّنْشِئَةِ الْقَوِيمَةِ، بَعْدَمَا تَحَلَّلَتْ نَفْسُهَا مِنَ الضَّمِيرِ وَانْحَرَفَتْ عَنِ السَّوَاءِ.
فَلَيْسَ فِي الْبَشَرِيَّةِ آدَمِيٌّ سَوِيٌّ يَتَعَمَّدُ اغْتِيَالَ بَرَاءَةِ صِغَارِهِ، وَيَسْكُبُ فِي أَوْرِدَتِهِمْ سُمُومَ النَّقِمَةِ وَالِانْسِلَاخِ عَنِ الْمُرُوءَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَلَا نَسْتَدْعِي الدِّينَ هُنَا، فَالنَّازِلَةُ تَصْدِمُ النَّامُوسَ الْبَشَرِيَّ قَبْلَ كُلِّ شَرِيعَةٍ.
فَيَا لَشَقَاوَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِذَا لَمْ تَتَدَارَكْ أَمْرَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي مَصِيرِكُمْ؛ فَقَدْ غَدَا التَّدَخُّلُ الرَّدْعِيُّ الْحَاسِمُ ضَرُورَةً وُجُودِيَّةً لِإِنْقَاذِ جِيلٍ يُسَاقُ نَحْوَ مَقْصَلَةِ الْهَلَاكِ وَهُوَ غَافِلٌ.
لَقَدْ بَلَغَ السَّيْلُ الزُّبَى، وَفَاضَ الْكَيْلُ بِمَا لَا يُمْكِنُ التَّغَاضِي عَنْهُ، وَتَجَاوَزَ الْفَسَادُ وَالِانْحِدَارُ كُلَّ حُدُودِ الصَّمْتِ، وَلَمْ يَعُدْ فِي قَوْسِ الصَّبْرِ مَنْزِعٌ.




