شهوة العرش.. كيف تحول صقر قريش وأعداؤه إلى نسخة واحدة؟
عندما يغيب الناس عن المشهد السياسي، وتُسلب منهم الإرادة الحرّة في اختيار من يحكمهم، يتوقف التاريخ عن كونه ساحة للمبادئ أو الشعارات البراقة، ليتحول إلى حلبة صراع صامتة وموحشة، تحكمها قوانين الاستبداد الفردي وحده. في هذه الحلبة، لا وجود لمفاهيم مثل الوفاء أو رد الجميل، ولا مُتسع لصلات الرحم أو رفقة السلاح؛ فكل شيء يُضحى به على أعتاب كرسٍ لا يحتمل المشاركة.
لو تأملنا قصة عبد الرحمن الداخل، “صقر قريش”، بقلبٍ يقرأ التاريخ بعيدًا عن دراما البطولة والفرار الأسطوري، سنكتشف حقيقة صادمة: إن هذا الرجل الذي فرّ من بطش العباسيين وفظاعة مجازرهم بحق قومه الأمويين في الشام، قد أقام بعد سنوات القواعد ذاتها التي اكتوى بنارها، وحاكى أفعال أشد أعدائه مقتًا!
لم يكن العباسيون يكتفون بهزيمة الأمويين عسكريًا؛ بل تتبعوهم بالقتل والغدر حتى أُطلق على أول خلفائهم لقب “السفاح”. لكن العنف في نظام الحكم الفردي لا يشبع من دماء الأعداء، بل سرعان ما يلتهم أصحابه. هذا ما فعله أبو جعفر المنصور حين قرر التخلص من رفاق الدعوة وبناة عرشه؛ فأغتال أبا سلمة الخلال، وشارك في دم أبي مسلم الخراساني – الرجل الذي دانت له خراسان وعبّد الطريق أمام العباسيين- فقط لأن المنصور رأى في قوة هؤلاء الرفاق تهديدًا مستقبليًا لسلطانه المباشر.
المفارقة التاريخية المؤلمة تبدأ هنا: عبد الرحمن الداخل الذي ذاق مرارة اليتم والملاحقة، وعاين بعينيه كيف يُباد قومه، كرر السلوك ذاته بمجرد أن استقر له العرش في قرطبة!
لم يتردد الداخل في الغدر بأبي الصباح اليحصبي، زعيم القبائل اليمانية والسند الأكبر الذي لولاه لما دخل الأندلس، لمجرد أن أبا الصباح أظهر اعتزازاً بنفوذه. ولم يسلم منه حتى “بدر”، خادمه ورفيق دربه الأصوب الذي خاطر بحياته لتهريبه من نهر الفرات وأنقذ حياته أكثر من مرة، ودار بين القبائل يجمع له البيعة؛ كافئه الداخل بالنفي والعزل وجرّده من كل ما يملك، ليموت فقيراً حسيرًا في أطراف البلاد.
هل كان هذا مجرد انحراف أخلاقي شخصي لدى أبا جعفر المنصور أو عبد الرحمن الداخل؟ قطعاً لا. إنها “طبيعة الحكم الفردي المطلق”. فعندما تُنزع السلطة بالقوة ولا تكون ملكاً للناس، يُصاب الحاكم ببارانويا الخوف المستمر، ويتحول كل رفيق قوي إلى مشروع قتيل؛ لأن “صانع الملوك” يملك دائمًا القدرة على إزاحتهم. وفي غياب المؤسسات والدستور، يصبح الحل الأسهل والأضمن لكل حاكم مستبد هو تصفية صانعي عرشه تقليماً للأظافر وضمانًا للبقاء.
تُخبرنا سير الأولين والآخرين أن الاستبداد مرض لا يُصلحه نبل الأشخاص ولا مظلوميتهم السابقة؛ فالشرعية التي لا تأتي من الشارع ومن صناديق اقتراع حرة ونزيهة، ستُكتب دائمًاً بدماء الرفاق؛ بالتالي لا خروج من هذه الدائرة الشيطانية المغلقة إلا بكسر المعادلة من الأساس: أن يعود الملك لأهله الحقيقيين.. للناس. حين يتولى الحاكم سلطته بإرادة شعبية شفافة، ويكون قابلاً للعزل والمساءلة القانونية، تتغير قواعد اللعبة تماماً؛ فلا يعود الحاكم بحاجة إلى إراقة الدماء لحماية كرسيه، بل يصبح بقاؤه مرهونًا بما يقدمه لأمة هي صاحبة الحق الأول والأخير.




