عقدة المشهد العربي: ليست العلة في «من يحكم»، بل في «كيف يحكم»... حسم قضائي: الشواطئ ملكية عامة للدولة وحظر تام لخصخصتها لطلاب الثانوية المتضررين من نتائجهم.. تعرف علي كيفية ومؤعد تقديم التظلمات في اليوم العالمي للنمور.. الاتحاد العربي لحماية الحياة البرية يجدد دعوته لصون التنوع الأحيائي والموائل الطبيعية تفوق البنين في الثانوية العامة 2026.. اجتهاد أم انعكاس لجدل الغش؟ أستاذ بجامعة عين شمس يحسم الجدل وزارة السياحة والآثار تواصل جهودها لمواجهة الكيانات غير المرخصة  مدبولي: الحكومة مستمرة في توفير الأراضي الصناعية المرفقة لتلبية احتياجات المستثمرين الصناعيين الجادين رئيس الوزراء يتابع جهود زيادة المخزون الاستراتيجي من المنتجات البترولية مصر تدين استهداف المنشآت النفطية في المملكة العربية السعودية والاعتداءات على المملكة الأردنية الهاشمية رئيس الوزراء يناقش وضع الأطر التنفيذية لمواجهة المخاطر السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي

عقدة المشهد العربي: ليست العلة في «من يحكم»، بل في «كيف يحكم»…

لَمْ تَكُنِ المَأْسَاةُ يَوْمًا مَرْهُونَةً بِهَوِيَّةِ المَجْلُوسِ عَلَى عَرْشِ السُّلْطَةِ، وَلَا بِطَبِيعَةِ الزِّيِّ الَّذِي يَرْتَدِيهِ؛ أَهُوَ زِيٌّ عَسْكَرِيٌّ يَرْمُزُ لِلْمُؤَسَّسَةِ الصَّارِمَةِ، أَمْ بَدْلَةٌ مَدَنِيَّةٌ تُوحِي بِالمُدَنِيَّةِ وَالحَدَاثَةِ؟ وَجَاءَتِ التَّجْرِبَةُ التُّونُسِيَّةُ المُعَاصِرَةُ لِتَضَعَ حَدًّا لِهَذَا الوَهْمِ العَرَبِيِّ المَوْرُوثِ؛ حَيْثُ نَشَأَ رَئِيسٌ مُنْتَخَبٌ مِنْ خَلْفِيَّةٍ أَكْثَرَ كَشْفًا لِلْمُفَارَقَةِ: رَجُلُ قَانُونٍ، وَأَكَادِيمِيٌّ فَقِيهٌ فِي الدُّسْتُورِ، لَمْ يَأْتِ مِنْ أَرْوِقَةِ الأَحْزَابِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَلَا مِنْ ثَكَنَاتِ الجَيْشِ، لَكِنَّهُ انْتَهَى إِلَى إِعَادَةِ إِنْتَاجِ نَمُوذَجِ الحُكْمِ الفَرْدِيِّ المُطْلَقِ بِصِيغَةٍ أَكْثَرَ شَرَاسَةً وَانْغِلَاقًا.
إِنَّ الِاسْتِبْدَادَ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى الْأَزْيَاءِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَلَا نَقِيضًا تِلْقَائِيًّا لِلْبِدَلَاتِ الْمَدَنِيَّةِ؛ بَلْ هُوَ نَتِيجَةٌ حَتْمِيَّةٌ لِبِنْيَةٍ سِيَاسِيَّةٍ هَشَّةٍ سَمَحَتْ بِتَرْكِيزِ مَفَاتِيحِ النُّفُوذِ فِي يَدِ فَرْدٍ وَاحِدٍ، مَهْمَا كَانَتْ مَرْجِعِيَّتُهُ.
تِلْكُمُ الْحَقِيقَةُ الْعَارِيَةُ تُثْبِتُ أَنَّ جَوْهَرَ الْمَسْأَلَةِ لَا يَنْتَهِي عِنْدَ هُوِيَّةِ الْحَاكِمِ، بَلْ يَبْدَأُ مِنْ طَبِيعَةِ النِّظَامِ الَّذِي يُدِيرُ الْمَمْلَكَةَ السِّيَاسِيَّةَ: هَلْ يُزَوِّدُ الدَّوْلَةَ بِمُؤَسَّسَاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ تُحَقِّقُ التَّدَاوُلَ السَّلْمِيَّ وَالرَّقَابَةَ الْمُتَبَادَلَةَ، أَمْ يَفْتَحُ الْأَبْوَابَ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا لِشَخْصَنَةِ الْحُكْمِ وَمَحْوِ الْفَوَاصِلِ بَيْنَ السَّلَطَاتِ؟

أَرْكَانُ خَرِيطَةِ الخَلَاصِ السِّيَاسِيِّ
إِنَّ صِيَاغَةَ المَخْرَجِ مِنْ هَذِهِ الدَّائِرَةِ المُغْلَقَةِ يَتَطَلَّبُ تَحَوُّلًا جَذْرِيًّا فِي المَفَاهِيمِ وَالأَبْنِيَةِ، يَقُومُ عَلَى دَعَائِمَ مُحَدَّدَةٍ:
• الفَصْلُ التَّامُّ وَالمُطْلَقُ بَيْنَ السَّلَطَاتِ: تَجْرِيدُ مُؤَسَّسَةِ الرِّئَاسَةِ مِنْ زِمَامِ الهَيْمَنَةِ، مَعَ إِخْضَاعِهَا لِرَقَابَةٍ صَارِمَةٍ، وَإِقَامَةِ اسْتِقْلَالٍ جَذْرِيٍّ لِلسَّلَطَتَيْنِ القَضَائِيَّةِ وَالتَّشْرِيعِيَّةِ، إِضَافَةً إِلَى الهَيْئَاتِ الرَّقَابِيَّةِ، عَنْ نُفُوذِ السَّلَطَةِ التَّنْفِيذِيَّةِ.
• إِرْسَاءُ نِظَامٍ بَرْلَمَانِيٍّ كَامِلِ الأَهْلِيَّةِ: اعْتِمَادُ نَمُوذَجٍ حُكُومِيٍّ يَقُومُ عَلَى الأَغْلَبِيَّةِ المُنْتَخَبَةِ أَوِ الِائْتِلَافَاتِ الحِزْبِيَّةِ الحَاكِمَةِ (كَمَا هُوَ المَعْمُولُ بِهِ فِي النُّظُمِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ المُمَاثِلَةِ)، بِحَيْثُ يَكُونُ الحِزْبُ أَوِ التَّحَالُفُ الفَائِزُ هُوَ المَسْؤُولُ الأَوَّلُ عَنْ إِدَارَةِ الشَّأْنِ العَامِّ وَمُحَاسَبَتِهِ أَمَامَ الشَّعْبِ.


• إِعَادَةُ هَيْكَلَةِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمِلَفِّ الْعَسْكَرِيِّ وَالِاقْتِصَادِ: تَوْحِيدُ مِيزَانِيَّةِ الدَّوْلَةِ فِي الْخَزِينَةِ الْعَامَّةِ، مَعَ انْسِحَابِ الْمَفَاهِيمِ الْعَسْكَرِيَّةِ التَّامِّ مِنْ كَافَّةِ الْأَنْشِطَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ الْمَدَنِيَّةِ، وَحَصْرِ دَوْرِ الْمُؤَسَّسَةِ فِي الصِّنَاعَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَحِمَايَةِ الْحُدُودِ وَالْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ.
• إِعَادَةُ تَوْجِيهُ مَوَارِدِ الدَّوْلَةِ: بِنَاءُ شَبَكَةِ حِمَايَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ صَلْبَةٍ لِلطَّبَقَاتِ الأَكْثَرِ احْتِيَاجًا، مَعَ ضَخِّ المِيزَانِيَّاتِ الكُبْرَى نَحْوَ أَعْمِدَةِ المُسْتَقْبَلِ: الصِّنَاعَةِ المَدَنِيَّةِ، التَّعْلِيمِ، البَحْثِ العِلْمِيِّ، وَالقِطَاعِ الصِّحِّيِّ.
وَخَاتِمًا: إِنَّ الْقَضِيَّةَ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ لَيْسَتْ حِكَايَةَ “مَنْ يَحْكُمُ”، بَلْ قَضِيَّةُ “كَيْفَ يُحْكَمُ”، وَضِمْنَ أَيِّ بِنْيَةٍ سِيَاسِيَّةٍ تُدَارُ الْمَقَادِيرُ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى