د. كريمة الحفناوى تكتب ..ليلة القبض على جورج إسحق

فى ذكرى رحيل عاشق الوطن
بعدما خرج من محبسه فى أمن الدولة بالقاهرة الجديدة فى ساعة متأخرة قرب منتصف الليل قابلنا بابتسامته التى لم تفارقه أبدا رافعا يديه بعلامة النصر قال بصوت عالٍ “إزيك ياكوكو” كما يحلو له أن ينادينى “تصورى وهما بيحققوا معايا جايبين كل اتصالاتى بكم جميعا بما فيها إزيك ياكوكو إيه الأخبار” وضحكنا من قلوبنا ضحكة عالية أضفت علينا شعورا بالدفء رغم برودة الجو وقسوة الانتظار وسعدنا بوجوده معنا، فلقد كنا فى انتظار الإفراج عنه أنا وعدد من الزملاء والزميلات والمحامين منهم الأستاذ عبد الخالق فاروق والأستاذة وفاء المصرى مع عدد من شباب حركة كفاية وشباب الصحفيين أتذكر البعض منهم الأستاذ عبد الخالق فاروق
وكان ذلك بعد خمسة أيام من إلقاء القبض على منسق حركة كفاية (أيقونة الحركة المصرية من أجل التغيير ورمز المحبة والفارس النبيل كريم الخلق والعطاء وعاشق الوطن) المناضل جورج اسحق.
ولنبدأ الحكاية من أولها فى أواخر 2007 انتفض عمال شركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى مطالبين بزيادة بدل الوجبات الغذائية والحوافز السنوية، وتحسين الأجور وتوجت الانتفاضات والمسيرات بالاعتصام الكبير ل27 ألف عامل بمصانع النسيج ورفعوا شعارات منها إقالة رئيس مجلس الإدارة. وانفض الاعتصام فى أوائل عام 2008 بعد التفاوض مع أعضاء النقابة وقادة الاعتصام على الاستجابة لمطالبهم. واشترط العمال العودة إلى الاعتصام فى السادس من إبريل إذا لم تتم الاستجابه لمطالبهم وأضاف العمال مطلبا آخر لمطالبهم تبنته بعد ذلك جميع القوى السياسية والوطنية والحركات الاحتجاجية الشعبية وفى مقدمتها حركة كفاية وهو”رفع الحد الأدنى للأجور”.
وجاء اليوم الموعود وسط رعب الأجهزة الحكومية والتى دعت الناس لعدم الاستجابة لدعوات الإضراب وأنه سيتم خصم من مرتب الذين سيتغيبون عن العمل، ومن كثرة نداءات الحكومة وتحذيراتها ليلة السادس من إبريل قرر عدد من الأهالى عدم إرسال أولادهم إلى المدارس وخاصة مع جحافل الأمن التى سدت الميادين والشوارع وحولت الميادين الرئيسية فى كافة محافظات مصر إلى ثكنة عسكرية تحسبا لنزول الناس إلى الشوارع.
فى الليلة الموعودة لم يتوقف رنين تليفون المنزل من قِبل ضباط أمن الدولة والذى حاولوا فيه إثنائى عن النزول وقالوا لرشا ابنتى عندما ردت على التليفون “إحنا من أمن الدولة وياريت تقولى لماما ماتنزلش بكرة علشان ماتتبهدلش” لم ترد عليه رشا وأغلقت التليفون لأنها متأكدة أننى سأنزل أنا وأعضاء وعضوات كفاية وطلبت منى نمر تليفونات بعض المحامين للاتصال بهم إذا تم القاء القبض على.
وكان الاتفاق مع المناضل العظيم المهندس محمد الأشقر وعدد من الزملاء ان نتجمع معهم فى شارع المحطة بالقرب من ميدان الجيزة .وقبل نزولى من المنزل فى الثامنة من صباح 6 إبريل جاءنى اتصال على الموبايل من السيدة الفاضلة نعمة بدر زوجة المهندس محمد الأشقر ورفيقة مشوار حياته ومسيرته النضالية “كريمة أخذوا محمد من أمام مكتبه فى ميدان الجيزة خللى بالك من نفسك” ورددت عليها “حاضر أنا نازلة دلوقت” ركبت تاكسى وصممت أن أمر على مكان التجمع فى شارع المحطة فإذا بالشارع خالٍ من المارة وتحول إلى سكنة عسكرية وتحولت محطة القطار الرئيسية بالجيزة إلى موقف لعربات الأمن المركزى.
جرت الاتصالات بينى وبين الكثيرين من زملاء وزميلات حركة كفاية والشباب وتم الاتفاق على التجمع فى نقابة المحامين بشارع رمسيس لمن يستطيع الوصول إليها، وبالفعل تجمع عدد كبير منا ومن المواطنين وخاصة القريبين من سكان شارع 26 يوليو والقاطنين فى حى بولاق أبو العلا ووقفنا فى تظاهرة كبيرة على سلم نقابة المحامين ومعنا عدد كبير من الزملاء الذين تمكنوا من الحضور أيقونة حركة كفاية جورج اسحق والدكتورة هدى حجازى والمحامى سيد عبد الغنى وعلت هتافتنا:
حد أدنى للأجور للى عايشين فى القبور
حد أقصى للأجور للى عايشين فى القصور
كفاية نهب كفاية فساد كفاية بيع للبلاد
عايزين حكومة حرة العيشة بقت مرة
عايزين حكومة جديدة بقينا ع الحديدة
يسقط يسقط حسنى مبارك
هنقول لأ ولأ أكيد للتوريث وللتمديد
يحيا الطلبة مع العمال ضد حكومة رأس المال
وجاءت الأخبار من زملائنا بكافة الميادين والمحافظات (الأمن المركزى يغلق أبواب المصانع فى المحلة حتى لايخرج العمال إلى الشوارع، خروج عدد كبير من الجماهير فى العديد من المحافظات للمشاركة فى إضراب 6 إبريل، إلقاء القبض على عدد من قيادات حركة كفاية فى محافظات القاهرة والجيزة والبحيرة والأسكندرية والمحلة الكبرى وطنطا) عرفنا بعد ذلك من المحامين أن البعض تم ترحيله إلى سجن المرج والآخر فى سجن برج العرب.
وأخبرنا دكتور سامى فرنسيس منسق حركة كفاية بالمحلة فى يوم 7 إبريل بخروج عمال المحلة ومواطنيها إلى “ميدان الشون” فى أكبر تظاهرة ضمت الآلاف من العمال والأهالى قابلها الأمن المركزى بإطلاق الرصاص على المتظاهرين لتفريقهم وسقط أول شهيد وهو طالب بالمدرسة الثانوى كان واقفا فى شرفة منزله.وتم إلقاء القبض على عدد كبير من أهالى المحلة وقيادات حركة كفاية بها، واستمرت المظاهرات حتى الثامن من إبريل ثم بدأت فى الهدوء.
فى اليوم التاسع من إبريل وفى الساعة السادسة مساءً جاءنى اتصال عبر الموبايل من قناة بى بى سى عربى للتأكد من خبر إلقاء القبض على جورج اسحق القيادى بحركة كفاية ومنسقها السابق نزل علىَّ النبأ كالصاعقة (جورج اسحق أو “الحاج جورج” كما يحلوا لنا أن نناديه المناضل الإنسان النبيل الأصيل المعجون بحب مصر) وبعد لحظات قلت لهم لاأدرى ساأتأكد من الخبر وأرد عليكم.
وبدأت فى إجراء اتصالات عديدة ومنها الأستاذ يسرى النميرى الصديق المقرب لجورج فأعطانى نمرة تليفون الأستاذة فاتن زوجة أستاذ جورج ونمرة تليفون المنزل وبالطبع اتصلت بها فى الحال وجاءنى صوتها متدفقا وسريعا وقلقا على زوجها ” نعم أخذوه ياكريمة، وصلت من شغلى الساعة خمسة ولما دخلت من باب الشقة وجدت عدد كبير من الضباط والمخبرين قالولى إحنا من أمن الدولة، والشقة مقلوبة وأخدوه معاهم”، ورغم قلقى على جورج وكل من تم اعتقاله حاولت تهدئتها وطمأنتها وقلت لها بالتأكيد المحامين سيعرفون مكانه وسيحضرون معه التحقيق.
أجريت عدة اتصالات بالمحامين الذين شكلوا معا منذ بداية حركة كفاية كتيبة وطنية متطوعة للدفاع عن جميع المعتقلين من سجناء الرأى منهم الأساتذة والمستشارين منهم عصام الإسلامبولى وعلى سليمان ومحمد منيب ووفاء المصرى وسيدة قنديل. كما تم الاتصال بالفضائيات لتأكيد الخبر، وتصدر نبأ إلقاء القبض على جورج اسحق جميع الفضائيات الدولية مع عرض صور وأحاديث سابقة معه خاصه بحركة كفاية ومطالبها ومظاهراتها.
وتم الاتصال فورا بزملائى فى حركة كفاية وقررنا عقد مؤتمر صحفى صباح اليوم التالى 10 إبريل فى نقابة الصحفيين.
تم عقد المؤتمر فى حضور عضو مجلس نقابة الصحفيين محمد عبد القدوس مع عدد كبيرمن الصحفيين والصحفيات المصريين والأجانب وأكثر من 50 وكالة أنباء وفضائيات عربية وأجنبية وحضر من قيادات كفاية الدكتور عبد الوهاب المسيرى منسق الحركة والدكتور عبد الحليم قنديل والأستاذ عبد الخالق فاروق وأنا معهم وشهير جورج اسحق الشاب الصغير الذى قال بكل ثقة وفخر”نحن نحب بابا ونفخر به وبمواقفه بابا مناضل كبير من أجل الحق والخير وحقوق الشعب واحنا بنأيده ونطالب بالإفراج عنه”.
سارع عدد من المحامين بإجراء اتصالات لمعرفة مكان جورج حتى تمكنوا بعد 36 ساعة من معرفة مكان جورج وعرفنا أنهم اقتادوه إلى مقرأمن الدولة بالتجمع الخامس بالقاهرة الجديدة ومستمرين فى التحقيق معه ولم يسمحوا له الا بالجلوس على كرسى فى حجرة باردة طوال الوقت. دون أى أغطية أوملابس ثقيلة.
وعلى الرغم من أن أعضاء حركة كفاية على اتصال ببعضهم طوال الوقت لمتابعة حركتهم فى القاهرة والأقاليم وعلى الرغم من أنها حركة شعبية علنية تفعل ماتقول إلا أن التهمة التى تم توجيهها لجورج اسحق كانت التحريض على التظاهر والتخريب واتلاف المنشآت وتكدير السلم العام والتحريض على انتفاضة المحلة وعلى الحرق والتخريب!!!
حققت نيابة أمن الدولة مع المناضل الشجاع أيقونة حركة كفاية مدة 72 ساعة كانت كفيلة بأن تقلب العالم من خلال كل منظمات حقوق الإنسان والحركات الشعبية الاحتجاحية فى الدول الأوروبية والأمريكية والعربية التى أعلنت التضامن مع حركة كفاية وانتفاضة6 إبريل وطالبت بالإفراج عن جورج اسحق وكل المعتقلين السياسيين . وكان لهذه النداءات الداخلية والخارجية أثرا فى سرعة الإفراج عن جورج اسحق فى مساء اليوم الخامس من اعتقاله
دكتورة كريمة الحفناوى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار
بسبب ماس كهربائي.. حريق يلتهم عدد من المحلات التجارية بموقف السلام خلال اجتماعات لجنة دراسة بيان الحكومة ..إنشاء مطار بورسعيد والمنيا ..رئيس شباب النواب يقدم للحكومة مقترحات لتطوير السياحة ودعم الصناعة السيطرة على حريق محدود في كنيسة الملك ميخائيل بالإسكندرية تعيين الكاتب الصحفي أحمد سلامة أمينًا عامًا لإعلام سوهاج بحزب تحيا مصر مطالبات برلمانية بتعديل قانون الملكية الفكرية وتحقيق التوافق مع متطلبات التسجيل الدولي للمنتجات الغذائية أسباب رحيل أحمد شوبير عن «أون تايم سبورتس».. اعرف التفاصيل كامل الوزير أمام لجنة دراسة برنامج الحكومة: خطة شاملة لاستكمال شبكة متر الأنفاق بالتوازي مع إنشاء شبكة من وسائل الجر الكهربائي خلال الجلسة العامة بمجلس النواب.. وزير الأوقاف :برنامج الوزارة نابع من توجيهات الرئيس بترسيخ مفاهيم المواطنة والسلام المجتمعي وزير الإسكان يتفقد أعمال المرافق بالامتداد الجنوبى بالقاهرة الجديدة المستشار محمود فوزي: تشكيل لجنة دراسة برنامج الحكومة يعكس قدر كبير من التنوع والخبرات