صلاح عزازي يكتب: «أهل المِيغة»

في كل زمنٍ يظهر نوع من البشر، لا يمكن إدراجه ضمن فئة المفكرين، ولا المبدعين، ولا حتى الانتهازيين التقليديين، لأنهم تجاوزوا الانتهازية إلى فن قائم بذاته… إنهم «أهل المِيغة».
و«أهل المِيغة» لديهم إرث ممتدّ في العالم العربي؛ إذ تجدهم في كل زمان ومكان، وأوصافهم معروفة ومعلومة ومحددة، فهم مجموعة من الأفراد ليس بينهم رابط «منهجي» أو «فكري» أو «سلوكي» واحد، أو حتى متقارب، إنما تجمعهم فقط المصلحة، يقصدونها حتى ينالوها كاملة غير منقوصة، ولو كان ثمنها أن تُشلّ حركة غيرهم، أو تُكسر أجنحة الموهوبين من حولهم.
منذ أيامٍ سألني صديق سيطرت عليه بعض معالم «السذاجة»، قائلًا: “لماذا لا يترك أهل المناصب فرصة لغيرهم؟ لماذا يتشبثون بالكراسي وكأنها خلقت على مقاسهم؟”
ابتسمت وقلت له: حد يسيب المِيغة يا ابني!
فأهل المِيغة لا يرون المنصب تكليفًا، بل تكييفًا، يلتصقون به حتى آخر رمق، بعد أن يفرغ من كل مكسب محتمل، ثم يسلمونه إن اضطروا إلى أحد من نفس السلالة الميغوية.
و«أهل المِيغة» لديهم صفات ومنهج محدد، فهم يضمرون ما يؤمنون به ويُظهرون ما يستفيدون منه، ويقتنصون ما لا يستحقونه، ويتماشون مع أي رأيٍ لأي شخص يمكن أن يحقق لهم فرصة في أن ينضموا إلى الصفوة – أي صفوة كانت، سياسية أو ثقافية أو دينية أو إعلامية.
فهم يتحركون كالسائل، يأخذون شكل الإناء الذي يوضعون فيه. إن كانوا بين المثقفين تظاهروا بالثقافة، وإن جلسوا بين المسؤولين تأنقوا في النفاق، وإن صعدوا على المنابر تحدثوا عن المبادئ كأنهم أول من اكتشفها، بينما هم في حقيقتهم أول من يفرطون فيها عند أول فائدة تُعرض.
ولكي تنضم إلى صفوفهم، عليك أن تتعلم القواعد جيدًا:
لا تُظهر موهبتك، لأن الموهبة تثير الشكوك. لا تتمسك بمبدأ، فالثبات عيب في عرفهم. لا تواجه، بل انحنِ، فكل انحناءةٍ هي خطوة في سُلم الترقي عند أهل المِيغة.
وعندما تكون من أهل الميغة، ليس ضرورياً أن تقدم منتجا مفيداً أو إضافة جديدة على الأرض، فهما ليسا ضمن معايير الانضمام إلى أهل الميغة، فالميغة تعيش فيها دون مجهود أو عناء، فقط كرر ما يرضي أصحاب أهل الميغة وساند مواقفهم وجمل صورتهم حتى يجعلونك تنعم معهم في المِيغة.
والجميع يسعى إلى الانضمام لأهل المِيغة، من الغفير إلى الوزير، فهل يرفض أحد «برطعة» مستمرة في الحياة دون حساب، دون قيمة أو إضافة أو منتج حقيقي، وفي النهاية يرى الترف ملاحقا له ومحيطا به.
وفي النهاية، قد تجد الكثير من أعضاء أهل المِيغة في الصدارة، بينما الموهوب الحقيقي واقف في الصفوف الخلفية، يحاول أن يفهم كيف سبقه من لا يملك إلا ابتسامة مصطنعة وموقفا مطاطًا، وفي ظني أنه سيبقى يحاول أن يفهم حتى يلقى ربه، أو أن يلتحق بركب أهل المِيغة.
وحتى تكون من أهل المِيغة يجب أن تكون محترفًا في «الانتهازية»، تضمر ما تؤمن به، وتهجر ما تعتقده صوابًا، وتنال من منافسيك، ولا تُبرز موهبتك، والأهم أن تتماشى في رأيك وسلوكك راضيًا مختارًا مع تفاهات قد يطلقها صاحب المصلحة، وكأنه نابغة متفرد «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه».
قد تستفيد بوجودك مع أهل المِيغة، لكنك ستبقى حبرًا على ورق.




