«وعلى الأرض السلام» رسالة الميلاد… حين يولد الرجاء من رحم المحبة

يطلّ علينا عيد الميلاد المجيد كل عام، لا كمناسبة دينية فحسب، بل كوقفة روحية عميقة تعيد للإنسان إنسانيته، وتذكّره بجوهر الرسالة الإلهية التي حملها ميلاد السيد المسيح إلى العالم:

السلام، والمحبة، والرجاء.

لقد لخّص الإنجيل هذه الرسالة الخالدة في كلمات قليلة، لكنها بالغة العمق:

«المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة»

(إنجيل لوقا 2:14)

الميلاد… حين اختار الله طريق السلام

لم يكن ميلاد السيد المسيح في قصرٍ أو موكب ملوكي، بل في مذودٍ بسيط، في رسالة رمزية تؤكد أن السلام لا يولد من القوة، بل من التواضع، وأن الخلاص لا يأتي عبر السلاح، بل عبر المحبة.

فالطفل الذي وُلد في بيت لحم جاء ليعلن، كما يقول الإنجيل:

«لأني لم آتِ لأدين العالم بل لأُخلّص العالم»

(إنجيل يوحنا 12:47)

وهنا تتجلى روح الميلاد، كدعوة مفتوحة لكل إنسان أن يراجع علاقته بالآخر، وأن يستبدل الصراع بالغفران، والخصام بالمحبة.

السلام الداخلي… البداية الحقيقية

الرسالة المسيحية تؤكد أن السلام الحقيقي يبدأ من الداخل، من القلب، قبل أن ينعكس على المجتمع.

يقول السيد المسيح:

«سلامًا أترك لكم، سلامي أُعطيكم، ليس كما يُعطي العالم أُعطيكم أنا»

(إنجيل يوحنا 14:27)

إنه سلام لا تصنعه الظروف، ولا تهزّه الأزمات، بل ينبع من الإيمان، ويمنح الإنسان طمأنينة وسط عالمٍ يموج بالقلق والتوتر.

مصر… أرض السلام والتجسد

في مصر، تكتسب رسالة الميلاد بُعدًا خاصًا، فقد باركتها العائلة المقدسة بوجودها، لتصبح أرضًا للتجسد الروحي والإنساني معًا.

وعبر التاريخ، ظلّ المصريون نموذجًا فريدًا في التعايش، حيث تتجسد معاني «وعلى الأرض السلام» في واقع يومي، يتشارك فيه المسلم والمسيحي الأفراح والآمال والمصير الواحد.

الميلاد والمسؤولية تجاه الآخر

عيد الميلاد، في جوهره، ليس احتفالًا شكليًا، بل دعوة عملية لخدمة الإنسان، خاصة الضعيف والمحتاج.

فالإنجيل يربط المحبة بالفعل لا بالكلام:

«الإيمان إن لم يكن له أعمال، ميت في ذاته»

(رسالة يعقوب 2:17)

ومن هنا، تصبح أعمال الرحمة، ومساندة الفقراء، ونشر الأمل، جزءًا أصيلًا من الفرح الحقيقي بالميلاد.

رسالة الميلاد في زمن التحديات

في عالم تتزايد فيه الحروب والانقسامات، تعود رسالة الميلاد لتذكّر البشرية بأن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وجودية.

ويظل صوت الإنجيل حاضرًا:

«طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون»

(إنجيل متى 5:9)

فصناعة السلام مسؤولية جماعية، تبدأ بالكلمة الطيبة، والنية الصادقة، والاحترام المتبادل، وتنتهي ببناء أوطان قوية متماسكة.

ختامًا

يأتي عيد الميلاد المجيد كل عام ليوقظ في القلوب نور الرجاء، ويعيد للضمير الإنساني بوصلته الأخلاقية.

وحين نفهم الميلاد كرسالة حياة، لا كمناسبة عابرة، يصبح السلام أسلوب عيش، وتتحول المحبة إلى لغة مشتركة بين البشر.

وفي هذه الأيام المباركة، تبقى الرسالة واحدة، واضحة وعميقة:

وعلى الأرض السلام… وبالناس المسرة.

كل عام وحضراتكم بخير

عيد ميلاد مجيد

بقلم د/ أسامه عزيز كيرلس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!