هل يمكن لجودة الحياة أن تتحسن بينما تتراجع قدرة الأفراد على العيش بكرامة؟

بين أرقام الحكومة وواقع المواطن.. هل نعيش “رأسمالية” حقيقية؟

خرجت علينا تصريحات حكومية مؤخراً تؤكد أن المواطن قد لمس “تحسناً في جودة الحياة” خلال العقد الأخير. ولكن، عند إخضاع هذا التصريح لمبضع التحليل الاقتصادي والاجتماعي، نجد فجوة عميقة بين ما ترصده شاشات البيانات وما تشعر به جيوب العائلات وموائد طعامها.

 

1. فخ “رأسمالية الكتب” واختفاء البعد الاجتماعي

تتبنى الحكومة حالياً سياسات تسمى “إصلاحية”، وهي في جوهرها سياسات رأسمالية تهدف لتحرير الأسعار ورفع الدعم. ولكن المشكلة تكمن في أن الإدارة تختار من الرأسمالية ما يملأ خزائنها (مثل رفع أسعار الوقود والكهرباء)، وتتجاهل ما يحمي المواطن (مثل شبكات الأمان الاجتماعي وجودة الخدمات العامة).

 

الرأسمالية في دول العالم المتقدم ليست “غابة”، بل هي نظام يقوم على “العقد الاجتماعي”. إذا رفعت الدولة يدها عن دعم السلع، يجب أن تطلق يد المواطن في الكسب عبر رواتب عادلة تمكنه من شراء هذه السلع بأسعارها العالمية، وهو ما لم يحدث؛ حيث تآكلت القوة الشرائية للدخل بشكل غير مسبوق.

 

2. التعليم والصحة: الاستثمار الغائب

لا يمكن الحديث عن “جودة حياة” بينما يضطر المواطن لدفع مبالغ باهظة في التعليم الخاص والدروس الخصوصية لأن التعليم الحكومي خرج من المنافسة. الرأسمالية الناجحة تعتمد على “تكافؤ الفرص”؛ أي أن ابن الطبقة الكادحة يجب أن يحصل على تعليم موازٍ للمدارس الدولية ليتمكن من المنافسة في سوق العمل.

 

كذلك في قطاع الصحة، جودة الحياة تعني ألا يضطر المواطن للاستدانة من أجل إجراء عملية جراحية في مستشفى خاص لعدم ثقته في الخدمة العامة. جودة الحياة تُقاس بقدرة المواطن البسيط على الحصول على خدمة طبية تضاهي القطاع الاستثماري، طالما أنه يدفع ضرائبه والتزاماته للدولة.

 

3. المحاسبة.. حجر الزاوية المفقود

أي نظام اقتصادي، سواء كان رأسمالياً أو اشتراكياً، يتحول إلى منظومة فساد إذا غابت “المحاسبة”. الحديث عن تحسن جودة الحياة يصطدم بواقع يرى فيه المواطن سوء استخدام للسلطة أو إهداراً للموارد في مشروعات قد لا تمثل أولوية قصوى لحياته اليومية، دون وجود آليات رقابية شعبية أو برلمانية قوية تحاسب المسؤول عن هذا الخلل.

 

4. الخلاصة: المشي على “رجل واحدة”

إن محاولة تطبيق “رأسمالية مشوهة” تأخذ من جيب المواطن ولا تعيد له جودة في الخدمة هي سياسة “العرج الاقتصادي”. جودة الحياة لا تُقاس بعدد الكباري أو اتساع الطرق فقط، بل تُقاس بـ:

 

الدخل الحقيقي: هل يغطي الاحتياجات الأساسية بكرامة؟

 

الأمن الإنساني: هل يضمن المواطن تعليماً وصحة بمستوى آدمي دون عوز؟

 

العدالة: هل يسري القانون والمحاسبة على الجميع دون استثناء؟

 

الرد على تصريح رئيس الوزراء: إن “تحسن جودة الحياة” لا يمكن استشعاره عبر شاشات التلفاز، بل يُستشعر عندما يجد المواطن أن الدولة تلتزم بدورها الاجتماعي بنفس الحماس الذي تلتزم فيه بجمع الرسوم والضرائب.

 

الدولة التي تطلب من المواطن أن يدفع كأنه يعيش في أوروبا، مطالبة بأن تحميه كأنه يعيش فيها. كتب: دكتور عصام غبريال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!