خَلْفَ أَسْوَارِ الْأَلَمِ.. حِينَمَا يَصِيرُ تَاجُ الْعَافِيَةِ أَسْمَى الْأَمَانِي

مَعَ كُلِّ وُلُوجٍ نَحْوَ عَتَبَاتِ أَيِّ مُنْشَأَةٍ طِبِيَّةٍ، يَنْفَتِحُ لِلْمَرْءِ سِتْرٌ عَنْ عَالَمٍ آخَرَ مَائِلٍ بِالْأَسْرَارِ وَالْآهَاتِ، عَالَمٍ يَقْبَعُ فِي جَزِيرَةٍ نَائِيَةٍ بَعِيدَةٍ كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ وَاقِعِنَا الرَّغِيدِ الَّذِي نَتَقَلَّبُ فِي نَعِيمِهِ وَنَغْفُلُ عَنْ كُنْهِهِ وَأَبْعَادِهِ.

إِنَّ زِيَارَةً وَاحِدَةً خَاطِفَةً، وَإِنْ كَانَتْ عَابِرَةً، لِرِدْهَاتِ مُسْتَشْفًى حُكُومِيٍّ أَوْ مَعْهَدٍ قَوْمِيٍّ مُتَخَصِّصٍ، كَفِيلَةٌ بِأَنْ تَمِيطَ اللِّثَامَ عَنْ مَآسِي بَشَرٍ مَنْكُوبِينَ، اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ ضُرَّانِ لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِمَا: مَرَارَةُ السَّقَمِ الَّذِي يَنْهَشُ الْأَجْسَادَ، وَأَنِينُ الْفَقْرِ الَّذِي يَكْسِرُ النُّفُوسَ، لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ خَفِيَّةٍ لَا يَعْلَمُ مَرَامِيَهَا إِلَّا الْخَالِقُ جَلَّ جَلَالُهُ.

فِي تِلْكَ الْأَرْوِقَةِ الْمُعْتِمَةِ، تَتَبَدَّلُ مَقَايِيسُ الْأَشْيَاءِ؛ فَالْعَشَرَةُ جُنَيْهَاتٍ هَذَا الْمَبْلَغُ الضَّئِيلُ الَّذِي تَنْثُرُهُ فِي يَوْمِكَ دُونَ تَفْكِيرٍ، وَلَا يَكَادُ يَشْتَرِي لَكَ أَمْرًا عَابِرًا تَتَحَوَّلُ هُنَاكَ إِلَى صَخْرَةٍ عَاتِيَةٍ، وَعَقَبَةٍ كَأْدَاءَ، وَحَائِلٍ مَنِيعٍ يَقِفُ بَيْنَ نُفُوسٍ مَقْهُورَةٍ وَبَيْنَ جُرْعَةِ دَوَاءٍ أَوْ طَوْقِ نَجَاةٍ، نُفُوسٍ بَلَغَ بِهَا الْعَجْزُ مَبْلَغًا لَا تَجِدُ مَعَهُ إِلَى دَفْعِهِ سَبِيلًا.

إِنَّ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ الدَّقِيقَةَ الْمُوجِعَةَ كَفِيلَةٌ بِأَنْ تَسْكُبَ فِي وِجْدَانِكَ صَدْمَةً نَفْسِيَّةً زِلْزَالِيَّةً تَعْقِدُ لِسَانَكَ، وَتَجْبُرُكَ عَلَى الِارْتِدَادِ إِلَى صَمْتٍ مُطْبِقٍ مِنْ شِدَّةِ الْأَسَى؛ حَيْثُ تَقِفُ مَذْهُولًا أَمَامَ مَشَاهِدَ دَامِيَةٍ، تَتَأَرْجَحُ فِيهَا بَيْنَ الْأَلَمِ وَالْخَوْفِ، مُتَضَرِّعًا مِنْ أَعْمَاقِ قَلْبِكَ أَلَّا تَكُونَ يَوْمًا بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ جُزْءًا مِنْ هَذِهِ الْمَأْسَاةِ الصَّاخِبَةِ بِالْأَنِينِ.

ثَمَّةَ مَشَاهِدُ صَارِخَةٌ هُنَاكَ تَتَعَالَى عَلَى الْبَيَانِ، وَتَفُوقُ قُدْرَةَ اللَّفْظِ عَلَى الْوَصْفِ؛ عَجَائِزُ كَسِيرُونَ انْحَنَتْ ظُهُورُهُمْ تَعَبًا، وَتَقَوَّسَتْ قَامَاتُهُمْ تَحْتَ وَطْأَةِ السَّقَمِ الْمُرِّ، وَأَطْفَالٌ بَرِيئُونَ تَخْتَنِقُ فِي صُدُورِهِمُ الْغَضَّةِ نَبَرَاتُ الضَّحِكِ لِتَحِلَّ مَحَلَّهَا زَفَرَاتُ الْآهَاتِ وَالْأَنِينِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَلِيَّ الْقَدِيرَ، خَاشِعِينَ، أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِالشِّفَاءِ، وَأَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمْ كُلَّ سُوءٍ وَبَلَاءٍ.

إِنَّهَا لَعَمْرِي مَأْسَاةٌ رَاتِبَةٌ لَا يَعْلَمُ مَدَاهَا وَأَغْوَارَهَا إِلَّا اللَّهُ، وَابْتِلَاءَاتٌ جَسِيمَةٌ قَاسِيَةٌ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ مَرَارَتِهَا، وَحَبَانَا بَدَلًا مِنْهَا نِعَمًا سَابِغَةً، ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً. لَكِنَّنَا وَيَا لَأَسَفِ النَّفْسِ دُونَ قَصْدٍ مِنَّا أَوْ بِسَبَبِ جَهْلٍ مُطْبِقٍ طَاوٍ، نَجْحَدُ تِلْكَ الْعَطَايَا بِكَثْرَةِ الشَّكْوَى، وَنَغْفُلُ عَنْ حَقِّ تَقْدِيرِهَا وَشُكْرِهَا كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ الْمُنْعِمِ.

فَمَهْمَا تَعَاظَمَتِ التَّحَدِّيَاتُ الَّتِي تُحَاصِرُ أَيَّامَكُمْ، وَمَهْمَا اشْتَدَّتِ الْخُطُوبُ وَالصُّعُوبَاتُ فِي حَيَاتِكُمُ الْيَوْمِيَّةِ، فَالْتَفِتُوا بِقُلُوبِكُمْ لِتَعْلَمُوا عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّكُمْ تَتَقَلَّبُونَ فِي أَعْطَافِ نِعْمَةٍ بَاذِخَةٍ، وَمِنْحَةٍ إِلَهِيَّةٍ جَلِيلَةٍ تُدْعَى (الْعَافِيَةَ)، حُبِيتُمْ بِهَا أَنْتُمْ وَمَنْ تَوَدُّونَ مِنْ أَهْلِيكُمْ.

إِنَّهَا السَّكِينَةُ الَّتِي تَسْكُنُ الْأَجْسَادَ فَلَا تَشْكُو وَصَبًا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا نَفْسًا وَبَدَنًا مِمَّا ابْتَلَى بِهِ غَيْرَنَا مِنَ الْعِبَادِ، وَغَمَرَنَا بِفَضْلِهِ، وَفَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا كَبِيرًا.

فَاللَّهُمَّ يَا رَبَّنَا وَمَوْلَانَا، اجْعَلْنَا نُدْرِكُ بَصَائِرَ النِّعَمِ الَّتِي أَسْبَغْتَهَا عَلَيْنَا، وَأَوْقِظْ قُلُوبَنَا لِتَقْدِيرِ تِلْكَ الْأُمُورِ الِاعْتِيَادِيَّةِ الَّتِي نَحْسَبُهَا بِجَهْلِنَا بَسِيطَةً وَتِلْقَائِيَّةً، وَهِيَ فِي جَوْهَرِهَا أَعْظَمُ الْعَطَايَا.

اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا نَعِيشُ لَحْظَةً نَتَجَرَّعُ فِيهَا مَرَارَةَ الْفَقْدِ، فَنَتَمَنَّى نَادِمِينَ أَنْ نَعُودَ فَقَطْ إِلَى تِلْكَ “الْحَيَاةِ الْعَادِيَّةِ” الَّتِي كُنَّا بِالْأَمْسِ نَتَذَمَّرُ مِنْ رَتَابَتِهَا.

اللَّهُمَّ دَاوِ بِرَحْمَتِكَ مَرْضَاهُمْ، وَاشْفِ سَقَمَهُمْ، وَاحْفَظْ عَلَيْنَا ثَوْبَ صِحَّتِنَا، وَأَوْزِعْنَا أَنْ نَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيْنَا مَا حَيِينَا، يَا سَمِيعَ الدُّعَاءِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!